حكاياتي

الفصل 1: البداية المضلمة

الجزء 2
### الجزء الثاني: صمت الذئاب __________ ( آسر ) __________ كان صدى صوتها لا يزال يتردد في ممر القصر الفسيح بعد أن أغلقتُ باب الجناح خلفي: "ولن أسمح لك بأن تعاقبني على ذنب لم أقترفه.. وأنا صامتة." توقفتُ لبرهة، ووضعتُ كفي على مقبض الباب الخشبي البارد، وأغمضتُ عينيّ ثانيةً واحدة. لم يكن غضبي مستعراً بسبب جرأتها فحسب، بل بسبب تلك الومضة الغريبة التي اشتعلت في أعماقي؛ لقد توقعتُ دموعاً، أو استجداءً، أو على الأقل ارتعاداً لا ينقطع، لكن ما رأيته في عينيها كان أمراً آخر تماماً، أمراً لم أحسب له حساباً. لكن هذا كله لا يغيّر من الواقع شيئاً؛ فما هي إلا ورقة مقامرة ألقت بها عائلتها على طاولة الخسارة لتفتدي بها نفسها، ومهمتي الآن لا تقتصر على التأديب، بل إحكام السيطرة. في صباح اليوم التالي، قررتُ أن أستهلّ المعركة بطريقتي الخاصة. كانت قاعة الطعام في القصر من الفساحة والاتساع بحيث تضلّ الأصوات في أرجائها، والجلوس إلى تلك المائدة الرخامية الممتدة أشبه بالمثول أمام منصة قضاء. كنت أطالع تقريراً مالياً على جهازي اللوحي وأرتشف قهوتي السوداء، حين تناهى إلى مسامعي وقع خطواتها الخفيفة. دخلت قمر. كانت ترتدي فستاناً رمادياً بسيطاً، وقد عقدت شعرها خلف رأسها بأسلوب يحجب شطراً من ملامحها، وبدت شاحبة الملامح، وتطوّق عينيها هالتان قاتمتان تشيان بليلة أرقٍ مريرة، غير أن ظهرها كان منتصباً في كبرياء ولم تتردد؛ إذ سحبت مقعداً في الطرف القاصي من المائدة، نائيةً بنفسها عني، ثم جلست في صمت مطبق. لم أرفع رأسي، ولم أبدِ أي اكتراء بحضورها، بل استمررتُ في تمرير إصبعي على شاشة الجهاز، وأشرتُ إلى الخادمة أن تحضر لي الخبز المحمص، مُمعناً في تجاهل الطبق المستقر أمامها. كانcom هذا هو العقاب الأقسى؛ لا صراخ، ولا حرمان، بل التجاهل التام.. إشعارها بأنها مجرد قطعة أثاث منسية في زوايا هذا القصر، شبح هلامي لا وزن له ولا قيمة. قالت بصوت رزين شرخ جدار الصمت كزجاج متهشم: - صباح الخير يا آسر. رفعْتُ رأسي ببطء، ونظرتُ إليها نظرة عابرة كأنني أتملى جداراً أصمّ، ثم عدتُ بجهد بصري إلى شاشتي وقلت: - صباح النور. خرج ردي جافاً خاوياً، قذفتُ به إلى الفراغ لا إليها. وقبل أن يزداد الجوّ احتقاناً، دلف العم فؤاد إلى القاعة. كان يرتدي بدلة أنيقة، وترتسم على محياه تلك الابتسامة الأبوية الزائفة التي برع في اصطناعها طوال سنوات. وضع يده على كتفي وهو يمر خلفي قائلاً: - صباح النشاط يا بطل العائلة. ثم التفت إلى قمر وانحنى في تحية مبالغ فيها: - أهلاً بعروسنا الجديدة، أتمنى أن تكوني قد التمستِ الراحة في منزلكِ الجديد. أجابت بصوت خافت دون أن ترفع عينيها عن طبقها: - شكراً يا عم فؤاد. جلس فؤاد قبالتي وصبَّ لنفسه كوباً من القهوة، ثم نظر إليّ وخفض نبرته حتى لا يتجاوز صوته مسمعي، رغم أن قمر كانت تجلس على بعد أمتار قليلة: - تضحية نبيلة منك يا آسر. كانت نبرته تقطر تعاطفاً مصطنعاً، ثم أردف: - إنقاذ سمعة العائلة يتطلب رجالاً بمقامك.. ولكن، الحذر واجب. رمقتُه بطرف عيني، مستحثاً إياه بصمت على إكمال ما في جعبته. لوّح بيده في إيماءة استخفاف عابرة نحو قمر، وتابع: - هذه العائلة.. تاريخها حافل بالمفاجآت غير السارة؛ أختها هربت، وها هم يجعلونك تدفع فاتورة خطاياهم.. فقط راقبها جيداً، فالْيأس يدفع الناس إلى ركوب ما لا يُحتمل، ولا أريد أن أراك تتأذى جراء ثقة وضعتها في غير محلها. شعرتُ بقبضة خفيفة تشتد على فكّي؛ كان فؤاد يلمس الوتر الحساس بدقة جراح بارع. لم أكن أثق بقمر أصلاً، بيد أن تحذيره المسموم جعلني أنظر إليها الآن لا كعبء ثقيل فحسب، بل كتهديد كامن. قلت ببرود وأنا أغلق جهازي اللوحي بقوة حازمة: - سأتعامل مع الأمر بطريقتي يا عم، لا داعي للقلق. نهضتُ عن المائدة مخلفاً فطوراً لم ألمس نصفه، وتاركاً إياها تجلس بمفردها مع فؤاد الذي انبرى يحادثها بصوت خفيض كمن يستدرج ثقتها، وغادرت دون أن ألتفت وراءي. حين وصلتُ إلى مكتبي في الطابق العلوي، حاولتُ جاداً التركيز على ملفات العمل، إلا أن عقلي كان مشتتاً. فتحتُ ملف "مشروع الواجهة البحرية" -أضخم صفقاتنا لهذا العام- ومررتُ بصري على الأرقام حتى استوقفتني صفحة التحويلات المصرفية. ثمة تأخير طفيف في دفعة مالية من مُورّد رئيس؛ أمر روتيني قد يحدث بسبب إجراءات بنكية اعتيادية، ولكن شيئاً ما في التوقيت أثار ريابي؛ إذ تزامن هذا التأخير مع اليوم عينه الذي وُقّع فيه عقد القِران النهائي. أغلقتُ الملف، ونظرتُ عبر النافذة الزجاجية الكبيرة المطلة على الحديقة. وفي الأسفل، رأيتُ قمر تسير ببطء على الممر الحجري، وحيدة، تحيط بها أسوار القصر العالية من كل جانب كحصن منيع. تمتمتُ في سري وأنا أرقب ظلها الصغير يتحرك في تلك المساحات الشاسعة: - سأراقبكِ.. كل خطوة، وكل همسة، وسأعرف متى يسقط هذا القناع الهادئ عن وجهكِ. ولم أكن أدري حينها أن شِباك المراقبة التي نصبتهَا ببرود، ستكون المصيدة التي سأعلق في أشراكها أنا نفسي في نهاية المطاف.