حكاياتي

الفصل 1: الذي الخرج

الجزء 2
الجزء الثاني: عمر --- المحقق عمر زياد لم يشاهد خروج يونس مباشرةً. شاهده مسجلًا، على شاشة حاسوبه، بعد ساعة وثلاث عشرة دقيقة من حدوثه. --- كان في مكتبه منذ السابعة صباحًا. ليس لأن أحدًا طلب منه ذلك. بل لأن المكتب كان أهدأ من شقته في تلك الساعة، والهدوء الآن عملة نادرة لم يعد يجدها في كثير من الأماكن. الطابق الثالث من مبنى المباحث المركزي. مكتب ضيق بنافذة واحدة تطل على شارع لم يتوقف فيه الصخب منذ أن يتذكر. جدار أمامه مغطى بخرائط وصور وأوراق مثبتة بدبابيس حمراء وخيوط رابطة تبدو فوضى لمن لا يعرف، ولها منطقها الداخلي الدقيق لمن يعرف. على الطاولة: ملف مفتوح. قهوة باردة لم يلمسها. وهاتف أسكته منذ وصل. --- فتح الفيديو من رابط أرسله له زميله برسالة نصية قصيرة: *"شاهد. ثم أخبرني إذا أنت بخير."* الرسالة أزعجته أكثر من الفيديو نفسه. --- شاهده. يونس يخرج. الكاميرات. الجمهور. الجملة. *"الذي خرج الآن ليس الرجل الذي حكمتم عليه."* أوقفه. رجع عشر ثوانٍ. أعاد التشغيل. توقف عند اللحظة ذاتها. حين نظر يونس إلى الكاميرا قبل أن يتكلم. لم يكن يبحث عن شيء بعينه في تلك النظرة. كان يحاول أن يفهم لماذا يشعر أن الرجل على الشاشة لا ينظر إلى عدسة الكاميرا. بل ينظر إلى ما خلفها. إليه هو. شخصيًا. أغلق الفيديو. --- عمر زياد، سبع وثلاثون سنة. وجهه لم يكن وجه بطل من أفلام البوليس: لا فك صلب ولا عيون قاطعة ولا ندبة درامية تروي قصة. كان وجهًا عاديًا بالمعنى الدقيق للكلمة — وجه يمكن أن تراه في مقهى ولا تتذكره بعد خمس دقائق. لكن من يعمل معه كان يعرف أن هذا الوجه العادي خلفه شيء غير عادي: ذاكرة لا ترحم. عمر كان يتذكر كل شيء. ليس كما يتذكر الناس عادةً — بشكل انتقائي، مجمّل، مريح. بل بشكل حرفي، بارد، مضبوط. التواريخ. الأرقام. تسلسل الأحداث. ما قاله فلان في الجملة الثانية من اجتماع قبل ثلاث سنوات. هبة أو لعنة، لم يحسم هذا السؤال بعد. --- تسع سنوات في قسم الجرائم الغامضة. "الغامضة" كلمة مريحة للجرائم التي لا أحد يريد أن يعترف أنها بلا حل، أو أسوأ من ذلك، أنها حُلّت بطريقة خاطئة. في تسع سنوات رأى ملفات كثيرة. ملفات مفتوحة. ملفات مغلقة. ملفات مغلقة لكنها تنزّ من أطرافها كأن هناك شيئًا حيًا يتنفس بداخلها. قضية يونس منصور كانت من النوع الأخير. --- فتح الملف القديم. ليس لأنه لم يقرأه من قبل. قرأه مرتين. في سنته الأولى حين كان يتعلم كيف تُبنى الحالات، وحين أُعيدت القضية للمراجعة قبل عامين وبدأت تظهر فيها الشقوق. فتحه الآن لسبب آخر. أراد أن يرى ما الذي كان يعرفه يونس طوال خمسة عشر عامًا. --- الجريمة: مقتل سلمى رشاد، ثمانية عشر عامًا، في منزل عائلتها بالطعن، ليلة الرابع عشر من مارس. المتهم: يونس منصور، ثمانية وعشرون عامًا وقتها، مهندس معماري، جار العائلة منذ ثلاث سنوات. الشاهد الرئيسي: كمال درويش، أربعون عامًا، يعمل في محل قرطاسية قريب من الحي. أكد أنه رأى يونس يدخل عمارة الضحية قبل الجريمة بعشرين دقيقة. الأدلة المادية: خيط واحد من معطف بني وصفه يونس بأنه يملكه، وُجد عالقًا عند عتبة غرفة الضحية. تقرير الطب الشرعي: أكد أن الجريمة وقعت بين الثامنة والنصف والتاسعة والربع مساءً. يونس ادّعى أنه كان في مطعم على بعد كيلومترين في تلك الفترة، لكن لم يتذكر أحد من العمال رؤيته. الحكم: خمسة عشر عامًا. --- كل شيء كان منطقيًا إذا نظرت إليه بعيون لحظته. خيط من معطفه. شاهد يؤكد دخوله. لا شاهد يؤكد أين كان. ضغط من عائلة الضحية. ضغط من الرأي العام الذي قرر في الأسبوع الأول أنه المذنب. الملف أُغلق بسرعة كافية لأن لا أحد يلاحظ ما لم يُفتح. --- الصفحة السابعة والثلاثون. توقف عندها. كان قد توقف عندها مرة من قبل، قبل عامين، حين أُعيدت القضية للمراجعة. شهادة مساعد الطبيب الشرعي. رجل اسمه فايز منير. وقّع على الشهادة ثم استقال من عمله بعد ثلاثة أشهر من صدور الحكم. لم يعمل في الطب الشرعي منذ ذلك اليوم. في السطر الثاني عشر من شهادته، جملة صغيرة مدفونة بين إجراءات تقنية: *"لوحظ في الجرح الثالث زاوية غير متسقة مع موقع المتهم كما وُصف في سيناريو الجريمة. تفسير هذه الزاوية يستدعي مراجعة إضافية."* المراجعة الإضافية لم تُجرَ. الجملة بقيت في الصفحة السابعة والثلاثين كأنها لم تُكتب. --- وضع عمر إصبعه تحت الجملة. الجرح الثالث. زاوية غير متسقة. الضحية كانت أمام يونس في كل الرواية الرسمية. وجهًا لوجه. لكن الجرح الثالث — الجرح القاتل تحديدًا — كانت زاويته تعني شيئًا واحدًا: الضارب كان خلفها. --- أغلق الملف. فتحه. أغلقه مجددًا. وقف وذهب إلى النافذة. المدينة تحت. الشارع المعتاد. الضجيج المعتاد. كل شيء يبدو في مكانه. لكنه كان يعرف، بتلك الطريقة التي يعرف بها المحققون القدامى أن شيئًا يتحرك تحت السطح، أن اليوم ليس يومًا عاديًا. يونس منصور خرج من السجن. وخمسة عشر عامًا لا تمر دون أن تترك شيئًا في الإنسان. السؤال ليس ماذا أخذت منه. السؤال هو ماذا صنعت فيه. --- رنّ هاتفه. رقمها محفوظ: المديرة سلوى حداد. رد في الرنة الثانية. *"زياد."* *"شاهدت التسجيل؟"* *"شاهدته."* صمت قصير. ثم: *"تابع يونس منصور."* *"هل فعل شيئًا؟"* لحظة توقف. نوع التوقف الذي يقول أكثر من الكلام. *"لم يفعل بعد."* --- وضع الهاتف. "لم يفعل بعد." ليس "لا نظن أنه سيفعل شيئًا." ليس "المسألة احترازية فقط." *لم يفعل بعد.* كلمتان تفترضان أن ما يأتي محسوم. وأن السؤال ليس إذا. بل متى. --- في الساعة التاسعة والنصف صباحًا، وصله بريد إلكتروني. مُرسَل من عنوان مجهول. مجموعة أرقام وحروف لا تعني شيئًا. لا نص. لا رسالة. ملف واحد مرفق. فتحه بحذر. كان مستندًا ممسوحًا ضوئيًا. صورة عالية الجودة لصفحة واحدة. استغرق عمر ثلاث ثوانٍ ليعرف ما هو. كانت صفحة من ملف القضية. الصفحة السابعة والثلاثون. لكن نسخة المستند التي أمامه الآن على الشاشة لم تكن مطابقة للنسخة الموجودة في الملف الرسمي. في نسخته الرسمية، الجملة المدفونة في السطر الثاني عشر كانت موجودة لكن يكاد يمر عليها دون أن تلفت النظر. في هذه النسخة المُرسَلة إليه الآن، كانت الجملة نفسها موجودة. لكن تحتها — في نسخة البريد الإلكتروني — جملة ثانية. بخط مختلف قليلًا. كأنها أُضيفت ثم حُذفت من النسخة الرسمية لاحقًا. قرأها ببطء: *"الزاوية تستبعد كليًا أن يكون الجاني أمام الضحية. تم إبلاغ المحقق المسؤول شفهيًا. طُلب منّي عدم إدراج هذا في التقرير الرسمي."* --- جلس عمر. ببطء. كمن يجلس لأن ساقيه لم تعودا تحملانه. لم يُدرج في التقرير الرسمي. طُلب منه عدم الإدراج. --- من المحقق المسؤول؟ فتح الملف من جديد. الصفحة الأولى. اسم المحقق الرئيسي في القضية: النقيب رامز طاهر. متقاعد منذ ست سنوات. --- أغلق البريد الإلكتروني. قال لنفسه: *حسنًا.* ثم أدرك أنه لا يعرف ماذا يعني هذا "حسنًا." --- نظر إلى الجدار أمامه. الخيوط الحمراء. الخرائط. الأوراق. على كل الجدار لا يوجد حتى الآن شيء يخص هذه القضية. فتح الدرج. أخرج دبوسًا أحمر. وكتب على ورقة بيضاء صغيرة اسمًا واحدًا: *يونس منصور.* ثبّته في منتصف الجدار. --- ثم أخرج دبوسًا ثانيًا. وكتب اسمًا ثانيًا: *رامز طاهر.* --- وقف ينظر إلى الاسمين. لا يزال لا يعرف إن كان ما سيجده سيريحه أو سيُثقله. لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا الآن. القضية لم تنتهِ يوم صدر الحكم. ولم تنتهِ يوم صدر حكم البراءة. بدأت الآن. بدأت اللحظة التي مشى فيها رجل بشعر أبيض على رصيف خارج سجن الحرمل وقال جملة لم تحتَج صوتًا مرتفعًا لكي تُسمع: *"الذي خرج الآن ليس الرجل الذي حكمتم عليه."* --- رنّ هاتفه مجددًا. رقم لا يعرفه. تردد. رد. --- صوت هادئ. منخفض. واضح. لا تعجل فيه ولا توتر. صوت رجل يتكلم كأن الكلام امتداد طبيعي لصمت طويل وليس خروجًا منه. *"صباح الخير، محقق زياد."* جمد عمر. *"من أنت؟"* توقف الصوت ثانية. ليس توقف من يفكر في الجواب. بل توقف من يختار إذا كان الجواب يستحق العناء. *"أنت تعرف من أنا."* --- *"الصفحة السابعة والثلاثون."* أغلق الخط. --- وقف عمر والهاتف في يده. قلبه يضرب أسرع مما ينبغي. لا لأنه خائف. بل لأن الصوت كان صادقًا تمامًا حين قال: *"أنت تعرف من أنا."* وعمر كان يعرف. --- نظر إلى الاسم الأول المثبت في منتصف جداره: *يونس منصور.* ثم نظر إلى هاتفه. وفكر في شيء واحد فقط: رجل قضى خمسة عشر عامًا في زنزانة، وأول اتصال يجريه في اليوم الأول من حريته هو إليه هو. بالاسم. برقمه الخاص. يعني أن الخمسة عشر عامًا لم تكن كلها انتظارًا. كانت تحضيرًا. --- *نهاية الجزء الثاني*