حكاياتي

الفصل 1: الذي الخرج

الجزء 3
الجزء الثالث: ذاكرة كمال --- كمال درويش لم يكن رجلًا يفكر كثيرًا. هذا لم يكن نقصًا فيه. كان قرارًا. تعلّم منذ زمن طويل أن التفكير الزائد يفتح أبوابًا من الأفضل إبقاؤها موصدة. وأن الإنسان يعيش حياة أهدأ حين يقبل الأشياء كما هي على السطح، ولا يحفر تحتها. خمسة عشر عامًا وهو يعيش بهذه الطريقة. خمسة عشر عامًا وهي تنجح. --- شقته في الطابق الرابع. غرفتان ومطبخ وحمام. النافذة الكبيرة في الصالون تطل على شارع تجاري يموت بعد التاسعة مساءً ويصحو قبل السابعة صباحًا. يعمل محاسبًا في شركة استيراد لا يسأل أحد فيها عن أحد. يصل الثامنة وينصرف الخامسة. يأكل وحده في الغالب، أو أحيانًا مع أخته وزوجها في نهاية الأسبوع. حياة بلا ضجيج. اختارها بعناية. --- ذلك المساء، حين خرج يونس منصور من سجن الحرمل، كان كمال درويش يجلس أمام التلفاز. برنامج طبخ. مسابقة بين متسابقين لا يعرف أسماءهم. أكل العشاء من صحن بلاستيكي أمامه على الطاولة الصغيرة. حياة عادية. ثم جاءت نشرة الأخبار. --- لم يقصد مشاهدتها. لكن المذيع قال الاسم قبل أن يستطيع الضغط على زر التغيير. *"بعد خمسة عشر عامًا يستعيد يونس منصور حريته..."* أصبعه توقفت فوق الزر. على الشاشة، رجل بشعر أبيض يخرج من بوابة حديدية. الكاميرات. الصحفيون. الجمع. كمال لم يرَ الجملة التي قالها يونس. رأى فقط وجهه. وأغلق التلفاز. --- جلس في الظلام دقيقة كاملة. ثم قام وأشعل النور. غسل الصحن. وضعه في المجلى. جفّف يديه ببطء. خطوة خطوة. الحياة العادية لا تتوقف لأن اسمًا قيل في نشرة. ذهب إلى السرير. الساعة التاسعة والنصف. أغمض عينيه. --- الساعة العاشرة والربع لا يزال مستيقظًا. --- الساعة الحادية عشرة. --- الثانية عشرة إلا عشرًا. قام. شرب ماءً بارد في المطبخ. وقف أمام النافذة. الشارع فارغ تمامًا. ضوء عمود الإنارة الأقرب يرتجف قليلًا كعادته منذ أشهر. لم يُصلَح ولن يُصلح. عاد إلى السرير. --- نام أخيرًا في الواحدة صباحًا. لكن النوم الذي جاء لم يكن نومًا حقيقيًا. كان طبقة رفيعة من الظلام أسفلها كل شيء لا يزال مستيقظًا. --- في اليوم التالي ذهب إلى العمل. جلس أمام شاشته. فتح ملفات الأرقام. عمل. في الحادية عشرة جاءته رسالة من رقم لا يعرفه. رسالة نصية. كلمتان فقط: *"أتتذكر؟"* --- حدّق في الكلمتين. أتتذكر. أتتذكر ماذا؟ لم يرد. حذف الرسالة. وضع الهاتف وجهه للأسفل على المكتب. عاد إلى العمل. في الثانية عشرة والنصف وصلته رسالة ثانية من نفس الرقم. هذه المرة لا كلمات. صورة فقط. --- فتحها ببطء. كانت صورة لمبنى. مبنى قديم. طابقان. واجهة بيج متشققة. شجرة بجانب المدخل. سلّم حديدي خارجي. نظر إليها. نظر. ثم أحس بشيء في معدته. عرف هذا المبنى. كان المبنى الذي يسكن فيه قبل خمسة عشر عامًا. المبنى الذي كانت فيه شقته يوم أعطى شهادته. --- الشيء في معدته تحرّك إلى أعلى. حذف الصورة. حذف الرقم. وضع الهاتف في الدرج وأغلقه. قال لنفسه بصوت داخلي هادئ: *هذا لا علاقة له بك. ما مضى مضى. أنت قلت الحقيقة.* وعاد إلى الأرقام على الشاشة. --- لكن الأرقام صارت تتشابه. وحين حاول جمع عمودين لم يستطع أن يركز. لأن سؤالًا صغيرًا جدًا، رفيعًا كخيط دخان، بدأ يتصاعد من مكان ما في الجزء الأقدم من ذاكرته: *هل رأيتَ يونس فعلًا؟* --- نعم. رآه. كان واقفًا عند مدخل العمارة. معطفه البني. قامته. ذلك الكتفان. رآه. --- ... --- أم أن شخصًا قال له إن من رآه كان يونس؟ --- أغلق الشاشة. وقف. ذهب إلى دورة المياه. غسل وجهه بالماء البارد. نظر في المرآة. وجهه الذي يعرفه. خمسة وخمسون عامًا الآن. شعر رمادي. خطوط حول العينين. وجه رجل عاش حياته وانتهى. *أنت رأيته،* قال في المرآة بصوت خافت. *أنت رأيته وقلت الحقيقة. خمسة عشر عامًا وأنت مرتاح لهذا. لا تبدأ الآن.* --- عاد إلى مكتبه. الساعة الثالثة والنصف. فتح الدرج. أخرج الهاتف. لا رسائل جديدة. أغلق الدرج. --- الساعة الرابعة إلا عشر دقائق، رنّ الهاتف. نفس الرقم المجهول. مكالمة هذه المرة. نظر إليه يرن. مرة. مرتان. ثلاثًا. رد في الرابعة. --- لا أحد يتكلم. لكن الخط لم يكن ميتًا. كان هناك صوت خافت جدًا في الخلفية. استغرق كمال خمس ثوانٍ كاملة ليعرف ما هو. --- كان صوته هو. صوته قبل خمسة عشر عامًا. في المحكمة. يُدلي بشهادته. *"...رأيته يدخل العمارة. كنت واضح الرؤية. المسافة لم تكن تزيد عن عشرة أمتار. لا أشك في ما رأيت..."* --- قطع المكالمة. يده ترتجف. --- أين حُفظ هذا التسجيل؟ جلسات المحكمة مسجّلة، نعم. لكن هذه تسجيلات أرشيف دولة. لا يملكها أحد ببساطة. لا يُرسَل مقطع منها في رسالة لمحاسب في شركة استيراد عند الساعة الرابعة من عصر يوم عادي. هذا... مستحيل. أو يكاد. --- وقف كمال درويش في مكتبه الصغير ويده لا تزال ترتجف، وسأل نفسه السؤال الذي كان يهرب منه طوال اليوم. لا. طوال خمسة عشر عامًا. *هل رأيتَ يونس منصور فعلًا تلك الليلة؟* --- المشكلة — المشكلة الحقيقية التي كانت مدفونة أعمق من كل شيء — أن الجواب لم يأتِ فوريًا كما كان دائمًا يأتي. *نعم، رأيته.* هذه الجملة كانت على طرف لسانه لخمسة عشر عامًا. جاهزة دائمًا. سريعة دائمًا. مريحة دائمًا. لكن الآن، مع صوته الخاص يتردد في أذنيه من تسجيل لم يكن يجب أن يوجد، الجملة لم تأتِ بالسرعة نفسها. جاءت. لكن بعد ثانية. وتلك الثانية الواحدة كانت كافية. --- انصرف من العمل في الخامسة. لم يقل وداعًا لأحد. في السيارة لم يُشغِل الراديو. سار في الطريق المعتادة إلى البيت وعقله يعمل بطريقة لم يألفها. لم يكن تفكيرًا بالمعنى الذي يتخيله الناس. لم تكن أفكارًا متسلسلة. كانت صورًا. صور من تلك الليلة. --- ليلة الرابع عشر من مارس. كان يمشي في الشارع. يعود من عند صديق. الساعة التاسعة وشيء. رأى شخصًا عند مدخل عمارة سلمى. شخصًا. لم يرَ وجهًا. رأى قامة. معطفًا. ظهرًا. ثم جاءه المحقق بعد يومين وقال: *"هل رأيت أحدًا عند العمارة تلك الليلة؟"* قال: *"نعم. شخص."* قال المحقق: *"هل يمكن أن يكون يونس منصور؟"* وهنا. هنا بالضبط. ماذا قال؟ --- وقف كمال عند إشارة حمراء. السيارات حوله. الناس يمشون على الرصيف. الحياة تسير. وهو لا يتذكر. لا يتذكر ما قاله بالضبط في تلك اللحظة. هل قال: *"نعم، يمكن أن يكون يونس"*؟ أم قال: *"نعم، هو يونس"*؟ فرق بين الجملتين واسع كالهوّة. واسع كخمسة عشر عامًا. --- في البيت لم يأكل. جلس في الصالون والتلفاز مطفأ. الساعة السابعة. الثامنة. التاسعة. يجلس فقط. --- في العاشرة، رنّ هاتفه. رسالة من نفس الرقم. فتحها وهو يعرف أنه لا يجب أن يفتحها. كانت جملة واحدة: *"الساعة كانت التاسعة والسبع عشرة دقيقة. أنت تعرف لماذا هذا الوقت مهم."* --- أسقط الهاتف. لم يُسقطه. وضعه بيديه. لكن يديه كانتا مرتجفتين لدرجة أنه بدا كأنه أسقطه. الساعة التاسعة والسبع عشرة دقيقة. هذا الوقت بالضبط. --- شهادته أمام المحكمة قالت إنه رأى الشخص عند العاشرة إلا ربعًا تقريبًا. لكن المحقق رامز طاهر حين كتب التقرير كتب: *"يؤكد الشاهد رؤية المتهم عند الساعة التاسعة والسبع عشرة."* كمال وقّع على التقرير دون أن يقرأه بعناية. كيف عرف هذا الرقم؟ كيف عرف أحد هذا الرقم؟ هذا التفصيل الصغير الذي كمال نفسه كاد ينساه لأنه لم يكن وقتها واثقًا من الوقت أصلًا. --- قام. ذهب إلى الحمام. وقف أمام المرآة. وجهه الآن لم يكن الوجه نفسه الذي رآه صباحًا. كان أكبر. أثقل. كأن ساعات ست شاخت به سنوات. قال لنفسه: *"أنت رأيته."* المرآة لم ترد. *"أنت رأيت يونس منصور."* الصمت. *"قل الحقيقة."* --- وهنا حدث الشيء الذي لم يكن مستعدًا له. الذي لم يكن مستعدًا له في أي يوم من الخمسة عشر عامًا. لم يسمع صوتًا غريبًا. لم يحدث شيء خارق. ما حدث أبسط وأكثر قسوة من ذلك بكثير. حاول أن يتذكر وجه يونس كما رآه تلك الليلة. الوجه. الوجه تحديدًا. --- ولم يستطع. --- لم يتذكر وجهًا. تذكر قامة. تذكر معطفًا. تذكر شارعًا ممطرًا وضوءًا ناقصًا وخطوات متعجلة. لكن الوجه. الوجه لم يكن موجودًا في ذاكرته. لأنه لم يره. لأن الشخص كان مدبر الظهر. --- خمسة عشر عامًا قضاها يقول لنفسه إنه رأى يونس منصور. وفي هذه اللحظة أمام مرآة في حمام شقة في الطابق الرابع، أدرك أنه لم يره. رأى ظهرًا. رأى معطفًا بنيًا. وأتى محقق وقال له اسمًا. وهو قبل الاسم. --- لم يكن يعرف أنه يكذب. هذا هو الجزء المرعب حقًا. لم يكن يعلم أنه يكذب. لأنه صدّق. لأن الاسم جاء من محقق. لأن العقل يملأ الفراغات بما يُعطى له. لأن خمسة عشر عامًا من التكرار تصنع يقينًا من لا شيء. لم يكن شاهد زور بالمعنى الذي يتخيله الناس. كان شاهدًا آمن بكذبة لم يعرف أنه اخترعها. وهذا أقسى. --- جلس على حافة الحوض. يداه بين ركبتيه. والسؤال الأول في حياته الذي لا يعرف جوابه يقف أمامه بلا رحمة: إذا لم يكن يونس... فمن كان؟ --- الهاتف رنّ. رفعه. رقم مختلف هذه المرة. محطة تلفزيونية. مذيع يسأله إذا كان مستعدًا للحديث في برنامج حواري مباشر الليلة عن القضية وعن براءة يونس. قال بصوت لم يسمعه يومًا في نفسه: *"نعم."* --- في الاستوديو، تحت الأضواء، مع ميكروفون أمامه ومذيع ينظر إليه بعينين ودودتين مهنيتين، جلس كمال درويش. الكاميرات تعمل. البث مباشر. المذيع بدأ يسأله عن القضية بالمعنى العام. عن منظومة العدالة. عن أخطاء المحاكم. كمال يجيب. بهدوء. بمنطق. بالطريقة التي تعلّمها. ثم توقف. --- في الدقيقة الثالثة والعشرين. توقف في منتصف جملة. سأله المذيع: *"هل أنت بخير؟"* لم يجب. نظر إلى الكاميرا. إلى العدسة السوداء الصغيرة التي خلفها الآن آلاف يشاهدون. وقال بصوت لم يكن أحد يتوقعه: *"أنا لم أره."* --- صمت الاستوديو. *"أنا لم أرَ يونس منصور تلك الليلة. رأيت شخصًا. لكنهم أعطوني الاسم وأنا... أنا قبلت الاسم. وصدّقت. وصدّقت لدرجة أنني نسيت أنني لم أرَ وجهًا."* المذيع فتح فمه. لم يخرج منه شيء. *"خمسة عشر عامًا. رجل جلس خمسة عشر عامًا. وأنا..."* لم يكمل الجملة. --- نظر بعيدًا عن الكاميرا. إلى نقطة خارج الأضواء. في الظلام خلف الكاميرات. وقال بصوت أخفض، كأنه يتكلم مع شخص يراه هناك: *"لكنك كنت هناك."* --- قطع المذيع البث تجاريًا. لكن الجملة خرجت. وما خرج لا يعود. --- في مكان ما في المدينة، في شقة في الطابق السادس، جلس يونس منصور أمام شاشة صغيرة. شاهد. أغلق الشاشة. فتح الدفتر الأسود. بجانب الاسم الأول في القائمة — *كمال درويش* — كان مكتوبًا سؤال: *"لماذا خاف؟"* شطبه. وكتب تحته جملة واحدة: *"لم يكن يعرف أنه يكذب."* --- أغلق الدفتر. عدّ الثواني في صمت. الاسم الأول انتهى. الاسم الثاني بدأ. --- *نهاية الجزء الثالث*