حكاياتي

الفصل 1: الذي الخرج

الجزء 6
الجزء السادس: بين السطرين --- المقهى القريب من الميناء. اختاره عمر لأنه المكان الأبعد عن المكتب الذي فكّر فيه في الدقائق العشر التي قضاها في سيارته قبل أن يقرر أين يذهب. لم يكن يعرف أنه يذهب لمقابلة أحد. أو ربما كان يعرف ولم يعترف. --- جلس عند طاولة قرب النافذة. طلب قهوة. أخرج ملف القضية وفتحه على الصفحة السابعة والثلاثين. قرأ الجملة المدفونة في السطر الثاني عشر للمرة التي لم يعد يعدّها. --- سمع كرسيًا يتحرك. رفع عينيه. --- يونس منصور كان يجلس أمامه. لم يسمعه يأتي. لم يرَه يدخل. كان هناك فقط. فجأة. كأنه كان موجودًا دائمًا وعمر هو من وصل متأخرًا. --- لم يقل شيئًا فورًا. نظر إلى عمر بتلك العيون الرماديتين الهادئتين. ثم نظر إلى الملف المفتوح على الطاولة. وقال: *"الصفحة السابعة والثلاثون."* --- لم يكن سؤالًا. كان تأكيدًا. كمن يتحقق من أن شيئًا وصل إلى مكانه الصحيح. --- جمع عمر الملف ببطء. أغلقه. وضعه جانبًا. نظر إلى يونس. *"كيف عرفت أنني هنا؟"* *"لم أعرف."* صمت. *"لكنك اخترت المكان الأبعد عن مكتبك. والأقرب من الميناء. ومن عادة المحققين الذين يريدون أن يفكروا بوضوح أن يذهبوا للأماكن التي فيها هواء وضجيج بعيد."* توقف. *"هذا المقهى تحديدًا لأنه الوحيد في هذا الشارع الذي تُغلق فيه الطاولات على المحيط لا على بعضها."* --- عمر لم يرد. لأن الرد الصادق كان: *أنت محق.* وهذا لم يكن ردًا يريد أن يبدأ به. --- جاء النادل. نظر إلى يونس. قال يونس بنبرة عادية تمامًا: *"شاي."* ذهب النادل. وبقيا في صمت لحظة. --- قال عمر: *"هل أنت من أرسل الرسائل؟ الملف على مكتبي. التسجيل لكمال. الصورة لرامز طاهر."* نظر إليه يونس. *"هل يهم؟"* *"يهم قانونيًا."* *"نعم."* وقفة. *"قانونيًا يهم."* --- جاء الشاي. رفع يونس الكوب. شرب ببطء. وضعه. نظر من النافذة للحظة. ثم نظر إلى عمر كأنه قرر شيئًا. *"كمال انهار بسببك."* *"كمال انهار لأنه تذكّر."* --- *"تذكّر ماذا؟ أنه كذب؟"* *"تذكّر أنه لم يكذب."* توقف يونس. *"هذا الفرق مهم جدًا يا محقق زياد. الكاذب يعرف أنه يكذب. كمال لم يكن يعرف. كان يؤمن. والإيمان بالكذبة أخطر من الكذبة نفسها لأنه لا يترك ذنبًا. يترك فقط... يقينًا."* --- عمر ينظر إليه. *"وأنت أيقظت هذا اليقين."* *"أنا لم أفعل شيئًا."* صوت هادئ. مسطّح. *"أنا فقط أعدت إليه لحظة. والذاكرة الحقيقية فعلت الباقي."* --- صمت. الضجيج الخافت للمقهى حولهما. أصوات أكواب. محادثات لا تُفهم. موسيقى خلفية لا يعرف أحد من اختارها. عمر ينظر إلى يونس. يونس ينظر إلى كوب الشاي. --- *"ماذا تريد؟"* رفع يونس عينيه. *"أن تتوقفوا عن قول إنكم كنتم متأكدين."* --- الجملة خرجت هادئة. لكنها ليست هادئة. تحتها شيء ثقيل جدًا. كشيء محمول طوال وقت طويل ثم وُضع على الطاولة أخيرًا. --- عمر لم يرد فورًا. فكّر في القاعة. في القضاة. في المحامين. في النقيب رامز الذي قال: *"القضية واضحة."* في التقارير التي قالت: *"الأدلة متسقة."* في كل من وقّع وختم وأغلق وانصرف. *متأكدون.* كلهم كانوا متأكدين. --- *"الملف أُعيد فتحه. البراءة صدرت. النظام—"* *"النظام أعطاني ورقة."* لم يرفع صوته. *"ورقة فيها كلمة 'بريء'. بعد خمسة عشر عامًا. وأغلق الملف مجددًا."* نظر إلى يديه على الطاولة. *"لا أحد قال: كنا مخطئين. لا أحد قال: آسفون. لا أحد حتى فتح السؤال الحقيقي."* --- *"ما هو السؤال الحقيقي؟"* نظر إليه يونس. *"من قتل سلمى رشاد؟"* --- الجملة بقيت في الهواء. عمر لم يتحرك. لأن هذا السؤال — السؤال الذي يجب أن يكون الأول في كل قضية — لم يُطرح. لم يُطرح لأن الملف أُغلق. ولأن الورقة قالت "بريء" لا "حُلّت القضية". ولأن هناك فرقًا كبيرًا بين إطلاق سراح شخص بريء والعثور على الشخص المذنب. --- *"هل تعرف من هو؟"* تغيّر شيء صغير في وجه يونس. لم يكن تعبيرًا واضحًا. لم تكن ابتسامة أو قسوة أو حذرًا. كان شيئًا يشبه... الاعتراف الصامت بأن السؤال وصل إلى المكان الصحيح. *"أنا أعرف أشياء."* توقف. *"لكن المعرفة والإثبات شيئان مختلفان. أنت تعرف هذا أفضل مني."* --- *"إذن ماذا تفعل؟"* *"ما يجب أن أفعله."* *"وما الذي يجب أن تفعله؟"* --- لم يجب. شرب ما تبقى من الشاي. ثم نظر إلى عمر بطريقة مختلفة قليلًا. نظرة من يقيس شيئًا. *"كم عمرك حين صدر الحكم عليّ؟"* السؤال غير متوقع تمامًا. *"اثنان وعشرون."* *"كنت في الخدمة؟"* *"متدرب."* وقفة. *"في القسم نفسه."* --- شيء في عيني يونس. ليس اتهامًا. ليس انتصارًا. شيء أكثر تعقيدًا. *"إذن رأيت الملف."* *"نعم."* *"وصدّقت؟"* --- عمر لم يجب. لأن الجواب الصادق كان: نعم. اثنان وعشرون سنة ومتدرب ومحقق كبير أمامه يقول "القضية واضحة". نعم، صدّق. والآن، في مقهى قرب الميناء، يجلس أمام الرجل الذي صدّق أنه مذنب ويجد صعوبة في النظر إليه. --- *"أنا لست هنا لأحاكمك."* قالها يونس. بهدوء. ودون أن يكون فيها تساهل. *"أنا أعرف أنك متدرب. وأعرف أنك كنت ستصدّق. الجميع صدّق. هذا لم يكن اتهامًا. كان ملاحظة."* --- *"ملاحظة لماذا؟"* *"لأنني أريد أن أفهم كيف يحدث هذا."* للمرة الأولى في الحوار شيء يبدو كالبحث الحقيقي لا كالمناورة. *"ليس كيف يكذب الناس. هذا أعرفه. أريد أن أفهم كيف يصدق الناس."* --- صمت. عمر ينظر إليه. رجل قضى خمسة عشر عامًا يفكر في هذا السؤال. ووصل إلى مكان لا يعرفه عمر بعد. --- *"هناك شخص آخر."* قالها عمر. ليس سؤالًا. --- توقف يونس. نظر إليه. وللمرة الأولى منذ جلس، أمسك بكوب الشاي الفارغ دون أن يشرب منه. حركة صغيرة لا إرادية. *"لماذا تقول هذا؟"* *"لأن ما يحدث منظّم أكثر مما ينبغي لشخص خرج منذ يومين فقط."* --- وضع يونس الكوب. *"أنت ذكي."* قالها بطريقة لم تكن مديحًا ولم تكن تهديدًا. كانت تقييمًا. جملة يقولها من يضع شخصًا في خانة. *"نعم. هناك... متغيرات لا أتحكم بها كلها."* *"متغيرات."* *"هذه الكلمة التي أجدها مناسبة."* --- عمر يميل قليلًا للأمام. *"هذا الشخص. هل هو خطر؟"* نظر إليه يونس. ولم يجب مباشرة. وهذا كان جوابًا. --- *"هل تعرف من هو؟"* *"أعرف ما يكفي."* *"وهل هو من قتل سلمى رشاد؟"* --- صمت طويل. الأطول في هذا اللقاء. الضجيج الخلفي للمقهى. صوت الموج البعيد من الميناء. شخص في الطاولة المجاورة يضحك على شيء في هاتفه. --- *"أنا قضيت خمسة عشر عامًا في زنزانة رقم ست عشرة."* لم يكن هذا جوابًا على السؤال. كان شيئًا آخر. *"في السنة الأولى كنت غاضبًا. الغضب طاقة نظيفة. يبقيك حيًا. في السنة الثانية بدأت أفكر. التفكير أخطر من الغضب لأنه يريح ويُتعب في نفس الوقت. في السنة الخامسة..."* توقف. *"في السنة الخامسة بدأت أفهم الناس الذين وضعوني هناك. ليس أسماءهم. طريقة تفكيرهم."* --- *"لماذا تخبرني بهذا؟"* *"لأنك ستحتاجه."* *"لماذا؟"* --- قام يونس. ببطء. بلا استعجال. كمن ينهي اجتماعًا طبيعيًا. أخرج من جيبه نقودًا. وضعها على الطاولة. أكثر مما يساوي الشاي بكثير. ثم توقف قبل أن يمشي. نظر إلى عمر. --- *"لو كنت مكانك... كنت سأبحث عن الشخص الذي لم يُرَ."* --- مشى. لم يلتفت. --- بقي عمر يجلس. أمامه الملف المغلق. وكوب القهوة الذي لم ينهه. والمكان الفارغ أمامه حيث كان يونس قبل دقيقة. --- النقود على الطاولة. نظر إليها. ثم رأى شيئًا تحتها. ورقة صغيرة مطوية. --- فتحها. --- ليست رسالة. ليست تهديدًا. صورة مطبوعة بجودة عالية. رجل يمشي في شارع. من الخلف. معطف داكن. في الزاوية السفلية اليسرى: تاريخ وتوقيت. *"١٤ مارس. ٩:١٧."* --- ليلة الجريمة. الوقت الذي قال الشاهد إنه رأى يونس. --- لكن الشخص في الصورة لم يكن يونس. القامة مختلفة. طريقة المشي مختلفة. --- وفي الزاوية اليمنى العليا من الصورة، بالكاد مرئية، جزء من لافتة محل. عمر حدّق فيها. ثلاثة حروف فقط. لكنها كافية لمن يعرف المنطقة. كافية لتحديد الشارع. وبالتالي الزاوية. وبالتالي من التقط الصورة. --- ومن كان في ذلك الشارع في تلك الليلة يملك كاميرا ويعرف أن شيئًا سيحدث. --- رفع عمر عينيه. المقهى. الناس. الطاولات. يونس اختفى. --- نظر إلى الصورة مجددًا. جملة يونس الأخيرة لا تزال في أذنيه: *"لو كنت مكانك... كنت سأبحث عن الشخص الذي لم يُرَ."* --- الشخص الذي لم يُرَ. الشخص الذي كان في الشارع. الشخص الذي التقط هذه الصورة. الشخص الذي يملك دليلًا على أن من رآه الشاهد لم يكن يونس. ولم يُدلِ بهذا الدليل. --- خمسة عشر عامًا. يملك هذه الصورة. ولم يُدلِ بها. --- لماذا؟ --- أغلق عمر يده على الصورة. الإجابة الوحيدة التي تشرح هذا الصمت الطويل: لأن إخفاء الصورة أفاده أكثر من الكشف عنها. --- ومن يستفيد من سجن بريء خمسة عشر عامًا؟ --- سؤال واحد. يفتح كل شيء. --- وضع عمر الصورة في جيبه. قام. ترك النقود على الطاولة. --- خرج من المقهى في الهواء البارد. --- وأدرك — أدرك بالطريقة التي تؤلم — أن يونس منصور لم يكن يجلس معه لأنه أراد أن يتكلم. كان يجلس معه لأنه قرر أن يختار. اختار أن يعطيه الصورة. --- لماذا؟ لأنه يريد من يحقق؟ أم لأنه يريد من يُغطي ظهره؟ أم لأن هناك شيئًا قادمًا لا يستطيع مواجهته وحده؟ --- مشى عمر في الشارع. والسؤال يمشي معه: *"الشخص الذي لم يُرَ."* --- في مكان ما في المدينة، سيارة رمادية تتحرك. وفي مكان آخر، شقة في الطابق السادس، رجل بشعر أبيض يجلس عند طاولة ويفتح دفترًا أسود. ينظر إلى القائمة. إلى الاسم الثاني. --- ثم يغلق الدفتر. ويعدّ الثواني. --- *نهاية الجزء السادس*