حكاياتي

الفصل 1: الذي الخرج

الجزء 5
الجزء الخامس: الشخص الثاني --- المقهى اسمه لا يهم. مقهى في شارع لا يهم. في حي لا يهم. ما يهم هو الشخص الجالس في الزاوية البعيدة، عند الطاولة الأخيرة قرب النافذة. --- طاولة يختارها دائمًا. ليس لأنه يخشى أن يراه أحد. بل لأن من هذا المكان يرى الجميع. الباب. المدخل. الطاولات. الوجوه. عادة قديمة. مثل الكثير من عاداته. --- أمامه فنجان قهوة بدأ يبرد. لا يبدو أنه لاحظ. في يده هاتف يشاهد فيه شيئًا. الشاشة تعكس ضوءًا أبيض على وجهه. وجه لن تتوقف عنده في الشارع. لن تنظر إليه مرتين. لن تتذكره إذا سألك أحد بعد ساعة: *من رأيت في المقهى؟* هذا بالضبط ما يريده. --- على الشاشة: مقطع فيديو. رجل في استوديو. أضواء بيضاء. ميكروفون. *"أنا لم أره..."* --- لم يتغير شيء في وجهه. لا صدمة. لا قلق. لا انزعاج. الشيء الوحيد الذي تغيّر هو زاوية فمه. زاوية صغيرة جدًا. مائلة قليلًا. يمينًا. ليست ابتسامة بالمعنى الكامل. لكنها ليست لا شيء أيضًا. --- رفع الفنجان. شرب. وضعه. أغلق الفيديو. فتح شيئًا آخر. --- ملف. ليس ملفًا إلكترونيًا. صورة ملتقطة بعناية لأوراق. أوراق قديمة. خط يدوي. تواريخ من قبل خمسة عشر عامًا. نظر إلى صفحة بعينها. صفحة كأنه حفظها منذ زمن طويل لكنه يعود إليها كمن يتحقق من أن شيئًا لم يتغير. لم يتغير. وضع الهاتف وجهه للأسفل على الطاولة. --- نظر من النافذة. الشارع المعتاد. الناس المعتادون. الصباح المعتاد. لا يبدو أن شيئًا تغيّر في العالم خارج النافذة. لكنه يعرف — يعرف بالطريقة التي يعرف بها القليلون الذين عاشوا بهدوء كافٍ طويلًا — أن العالم خارج النافذة لا يُخبرك حين يتغير. يتغير في صمت. وتكتشف لاحقًا. --- أو لا تكتشف. --- طلب قهوة ثانية. حين جاء بها النادل قال شكرًا بنبرة عادية لشخص اعتاد النوادل أن يراه هنا. وجه مألوف. زبون هادئ. لا يزعج. يدفع دائمًا نقدًا. هذا كل ما يعرفه النادل عنه. هذا كل ما يجب أن يعرفه. --- الساعة السادسة عشرة وأربع دقائق. --- لم يلاحظ الوقت. أو لعله لاحظه ولم يُبدِ شيئًا. --- أخرج من جيب سترته الداخلي قلمًا. وورقة مطوية. فردها على الطاولة. --- ليست ورقة مكتوبة. كانت صورة فوتوغرافية قديمة. مطبوعة بتقنية قديمة على ورق قديم. صورة لمكان. مبنى. شارع. شجرة في الزاوية. ليلة. الإضاءة ناقصة. وفي الجانب الأيسر من الصورة شبح إنسان. مبهم. يكاد لا يُرى. في أسفل الصورة بالقلم الرصاص: *"١٤ مارس. الساعة ٩:١٧."* --- نظر إلى الصورة. ثم بالقلم في يده — ببطء، بعناية، بالضغط المناسب تمامًا — رسم دائرة صغيرة حول شبح الإنسان في الجانب الأيسر. دائرة صغيرة. كمن يقول: *وجدتك.* --- طوى الصورة. أعادها إلى جيبه. --- أنهى قهوته. وضع النقود على الطاولة. قام. --- لم يلتفت حين خرج. لم ينظر إلى أحد. مشى على الرصيف بخطى منتظمة. لا تستعجل ولا تتباطأ. شخص عادي يمشي في شارع عادي في وقت عادي. --- في الشارع الجانبي وقفت سيارة. رمادية. لا شيء مميز فيها. فتح الباب. جلس. أغلق الباب. لم يشغل المحرك فورًا. جلس لحظة. --- في الصمت، أخرج الهاتف مجددًا. فتح تطبيق تسجيل صوتي. ضغط تسجيل. وقال بصوت هادئ، واضح، كمن يترك ملاحظة لنفسه: *"يونس بدأ. الشاهد انكسر. الضابط استيقظ. المحقق يتحرك."* توقف. *"الترتيب صحيح."* أوقف التسجيل. --- أشعل المحرك. تحركت السيارة. --- لم يتوجه إلى البيت. توجه إلى الحي الشمالي. الشارع الذي يعرفه جيدًا. الشارع الذي لم يمشِ فيه منذ خمسة عشر عامًا. لكنه لم ينسَه. بعض الأشياء لا تُنسى. ليس لأنها مؤلمة. بل لأنها لطيفة. --- وقف أمام المبنى. البيج المتشقق. الشجرة على اليمين. السلّم الحديدي. لم يتغير كثيرًا. --- نظر إلى النافذة في الطابق الثاني. مضاءة. شخص يتحرك خلف الستارة. عائلة ثانية الآن. أسماء لا يعرفها. حياة لا صلة لها بما حدث هنا. --- لكن الغرفة. الغرفة نفسها. الجدران نفسها. --- مشى. --- لم يدخل. لم يقف طويلًا. فعل ما جاء يفعله: تذكّر. --- في السيارة مجددًا. أخرج دفترًا صغيرًا من حقيبة جانبية. فتحه. --- صفحات مليئة بكتابة دقيقة. أسماء. تواريخ. ملاحظات. قرأ الصفحة الأخيرة التي كتبها. ثم تحتها كتب أربع كلمات: *"يونس أطلق العدّ."* --- أغلق الدفتر. --- نظر في المرآة الأمامية. وجهه. العيون. الهدوء. ثم قال لنفسه — للمرآة — بنبرة لا توتر فيها ولا عجلة: *"أخيرًا."* --- كلمة واحدة. لكن في الطريقة التي قالها لم تكن كلمة انتظار انتهى. كانت كلمة لعبة بدأت. --- تحركت السيارة الرمادية في الشارع الهادئ. ابتلعها المدينة. --- وفي الطابق الثاني من المبنى البيج، خلف الستارة، تحرّك شخص لا يعرف أنه يعيش في غرفة فعل فيها شخص ما شيئًا في ليلة من خمسة عشر عامًا. لا يعرف. ولا يجب أن يعرف. --- ولكن بعض الأشياء لا تغادر الأماكن حين تغادرها. بعض الأشياء تبقى في الجدران. في الهواء. في الطريقة التي تسقط بها الظلال في وقت معين من النهار. --- الساعة الآن ست عشرة وأربع وعشرون دقيقة. --- *نهاية الجزء الخامس*