الجزء 2
الفصل 1: العقد واللعنة الجميلة
الجزء 2
الفصل 1: العقد واللعنة الجميلة
الجزء 2
***الجزء الثاني: صباح الجنون***
______________________
أفقتُ على خيط رفيع من شمس الصباح يتسلل عبر شقوق النافذة الخشبية، ليخترق جفوني المثقلة بصداع يطرق جمجمتي بعنف. جلستُ على حافة السرير في غرفتي الفوضوية بالطابق العلوي، أفرك وجهي بكفيّ وأنا أتنفس الصعداء، وهمستُ لنفسي محاولاً استعادة توازني المنطقي:
"لقد كان مجرد كابوس".
إرهاق العمل المتواصل، استنشاق الغبار الكثيف في القبو، وربما بعض الغازات القديمة المحتبسة خلف ذلك الجدار المتداعي؛ كلها كانت تفسيرات علمية كافية لهلوسات ليلة البارحة. هززتُ رأسي لأطرد بقايا تلك الصورة المرعبة للمرأة ذات العينين الذهبيتين، وقررت أن أبدأ يومي بقهوة سوداء تعيد لعقلي رشده، لكن بمجرد أن استدرت لأرتب وسادتي، تجمدت الدماء في عروقي وتبخرت نظرياتي العلمية في الهواء. كانت هناك، ترقد على النصف الآخر من سريري ببرود مستفز، تداعب خصلات شعرها الفاحم وكأنها صاحبة المكان. لم تكن حلماً ولا كابوساً تبدد مع ضوء النهار؛ بل كانت حقيقة مادية، حادة، وفاتنة بشكل يثير الحنق. قفزتُ من مكاني كمن لدغته أفعى، وتراجعت حتى ارتطم ظهري بالخزانة الخشبية وأنا أصرخ بصوت أجش:
"مَن أنتِ؟ وكيف صعدتِ إلى هنا؟ اخرجي فوراً قبل أن أستدعي الشرطة!".
التفتت إليّ ببطء، وعيناها الذهبيتان تتأملان ذعري بسخرية لاذعة لم تكلف نفسها عناء إخفائها، ثم اعتدلت في جلستها، فانسدلت عباءتها الليلية لتكشف عن كتف مرمرية، وقالت بنبرتها الحريرية المتعالية:
"الشرطة؟ أهؤلاء هم حراسكم من البشر المثيرين للشفقة؟ وفر صراخك يا آدم، فقد أخبرتك البارحة.. أنا زوجتك، وهذا المكان البائس الذي تسميه منزلاً أصبح الآن مسكني".
لم أحتمل هذا الغرور، فاندفعت نحوها بتهور يغذيه غضب أعمى، ومددت يدي لأمسك بذراعها وأقذف بها خارج الغرفة، لكن قبل أن تلامس أناملي بشرتها، ضربتني موجة غير مرئية من البرد القارس أطاحت بي أرضاً، لأجد نفسي ملقىً ألهث بحثاً عن الهواء، كأن الأكسجين قد سُحب من رئتيّ عنوة. نهضتْ هي برشاقة قطة مفترسة، وتجاوزتني بخطوات صامتة نحو المرآة المكسورة في الزاوية. وقفت تتأمل انعكاسها بينما كنت أصارع لالتقاط أنفاسي، ثم همست دون أن تلتفت إليّ:
"لا تحاول لمسي بغضب مرة أخرى أيها البشري، فجسدك الهش لن يتحمل طاقتي. نحن الآن مرتبطان بعهد الدم، وسواء قبلت بمنطقك العقيم أم رفضته، أنا (يارا).. زوجتك، وظلك الذي لن يفارقك حتى تحترق هذه الأرض".
أدركتُ حينها، وأنا أنظر إلى طيفها المنعكس في المرآة والذي لم يكن يلقي ظلاً على الجدار خلفه، أن حياتي الرتيبة المحسوبة قد انتهت للأبد، وأنني تورطت في جنون لا تملك كل معادلات الأرض حلاً له.