حكاياتي

الفصل 1: العقد واللعنة الجميلة

الجزء 3
الجزء الثالث: ظلال التدخل حاولتُ إقناع نفسي بأن كل ما جرى لم يكن سوى نوبة من الانهيار العصبي المؤقت، ففررتُ من ذلك المنزل العتيق عائداً إلى صخب المدينة واعتيادية حياتي البشرية، عازماً على تحدي هذا الجنون ومواعدة "سلمى"؛ زميلتي المهندسة التي طالما رغبتُ في التودد إليها. جلستُ معها في مطعم راقٍ، أستمع لحديثها عن التصاميم الحديثة وأجاهد للتركيز في عينيها لأمحو صورة تلك العيون الذهبية التي تطاردني، لكن الجحيم كان يخبئ لي رأياً آخر. ففي منتصف حديثنا، انخفضت درجة حرارة المكان بشكل مفاجئ حتى تكثف الضباب على زجاج النوافذ، وتجمدت قطرات الماء على كأس سلمى. وقبل أن أستوعب الأمر، لمحتها؛ كانت "يارا" تجلس بكبرياء على الكرسي الفارغ المجاور لي، تضع قدماً على قدم، وتعبث بشوكة معدنية راحت تلتوي بين أصابعها الرقيقة كأنها الصلصال، وهي تراقبنا بابتسامة ساخرة لم يلحظها أحد سواي. حاولتُ تجاهلها، فتصاعدت وتيرة ألاعيبها؛ بدأت سلمى تتلعثم في حديثها، وشعرت ببرودة خفية تلامس عنقها جعلتها ترتجف بذعر مجهول، ثم فجأة، وبحركة خاطفة من إصبع يارا، انكفأ كأس النبيذ الأحمر بالكامل على فستان سلمى الفاخر، وتلاه انكسار كعب حذائها حين حاولت النهوض فزعة. غادرت سلمى المطعم وهي تغالب دموعها وتتمتم بكلمات مبهمة عن شعورها بوجود "قوة شريرة" تتربص بها في المكان، تاركة إياي وحدي مع ذلك الكيان المتغطرس. اقتربت يارا مني ببطء حتى لفحت أذني أنفاسُها الباردة، وتجاهلت نظراتي المشتعلة بالحنق وهي تهمس بنبرة مشبعة بالانتصار والوعيد: "أظننت حقاً أنك تستطيع الهروب مني في هذا العالم التافه؟ أنت تحمل عهدي في دمك يا آدم، وأي امرأة تقترب منك ستحترق بنار خفية.. لم تعد لك حياة خارج ظلي، فاعتد الأمر قبل أن أحيل عالمك كله إلى رماد". بقيتُ متصلباً في مكاني، أراقبها وهي تتلاشى ببطء في الهواء تاركة وراءها رائحة خشب الصندل والبرق، ومدركاً في تلك اللحظة القاسية أنني لم أفقد عقلي فحسب، بل سُلبت حريتي بالكامل لصالح كيان يتلاعب بي كدمية، ولعنة فاتنة لا سبيل للفكاك منها.