حكاياتي

الفصل 2: احتراق الحواجز وانكشاف السّر

الجزء 1
الجزء الأول : خلف قناع البرود ********************** لم يكد صدى ذلك الرعد المرعب يتلاشى حتى استحال الكابوس الذي كانت تخشاه حقيقةً ماثلةً أمام عيني؛ فمن بين شقوق الأرضية الخشبية المتهالكة، انبعثت غلالة من الظلمة الكثيفة، تلتف وتتلوى كأفعى عملاقة قبل أن تتشكل في هيئة كيان وحشي مجهول الملامح، له عينان كأنهما جمرتان مستعرتان بنار سوداء. لم تتردد يارا؛ إذ اندفعت من ركنها كالرمح المنطلق، واشتعلت كفاها بنيران زرقاء ساطعة قذفت بها بضراوة نحو ذلك الكيان المظلم. اهتز المكان بأصداء معركة لا تنتمي لعالمنا؛ كانت تتمايل بمرونة قاتلة تتفادى ضرباته وتكيل له تعاويذ حارقة، لكن الكيان كان يمتص سحرها ببرود مرعب. وفي لحظة مباغتة، امتدت ذراع من الظل لتطوق عنقها وترفعها في الهواء، لتخمد على إثرها شرارتها الزرقاء، وتنطفئ لمعة عينيها الذهبيتين تحت وطأة اختناق حقيقي. في تلك اللحظة، تبخر كل منطق بشري في عقلي؛ فلم أرَ فيها تلك الجنيّة المتغطرسة التي فرضت نفسها عليّ، بل رأيت المرأة التي باتت تسكن داري وتسري في دمي وهي تذوي أمامي. وبدافع غريزي أعمى، التقطتُ قضيباً حديدياً من مخلفات البناء، واندفعتُ نحو ذلك المسخ بكل ما أوتيت من قوة، غارزاً الحديد في جوف كتلته المظلمة. أطلق الكيان صرخة مزقت سكون المكان، وبدا أن صلابة المعدن البشري حين تمازجت مع إرادتي لحمايتها قد استنهضت رابط الدم بيننا؛ إذ التمع العقد الفضي المخبأ في جيبي، واندلعت منه ومضة قاهرة أحالت الظل هباءً منثوراً تبدد في أرجاء الغرفة. انهارت يارا فاندفعتُ لأتلقفها بين ذراعي قبل أن ترتطم بالأرض، وسقطنا معاً بينما كان جسدها الواهن يرتعش بعنف فوق صدري. للمرة الأولى، لم تحاول ذودي عنها أو التظاهر بالقوة أو إلقاء لعناتها الساخرة؛ بل تشبثت بقميصي بأصابع مرتجفة، ودفنت وجهها في عنقي، تلهث بأنفاس حارة ومتقطعة أذابت كل جبال الجليد التي شيدناها بيننا. انكسر قناع البرود تماماً، وعندما رفعت رأسها وتلاقت نظراتنا في قرب مهلك، لمحت في عينيها مزيجاً من الخوف وضراعة أنثوية صارخة، ضعفاً جعل قلبي يخفق بجنون وأجج رغبتي في احتوائها. استقرت يدي عند خصرها أشدها إليّ بقوة لم أعهدها في نفسي، لأدرك في تلك اللحظة الحاسمة أنني مستعد لمواجهة جحيم عالمها بأسره، فقط لأبقيها آمنة في حضني.