حكاياتي

الفصل 1: العقد واللعنة الجميلة

الجزء 5
الجزء الخامس: قواعد التعايش المستحيل بعد تلك الليلة المشحونة التي تزلزلت فيها قناعاتي وتصدعت حواجز الجليد بيننا للحظات عابرة، أدركتُ أن الفرار أضحى ضرباً من المستحيل، وأن المواجهة هي ملاذي الوحيد. في الصباح التالي، جلستُ إلى طاولة الطعام الخشبية المتهالكة، ووضعتُ ورقة وقلماً أمامها، محاولاً استرداد هيبتي البشرية المستلبة، وقلتُ بحزم: "بما أننا عالقان في هذه اللعنة معاً، فهناك قواعد صارمة يجب أن تُحترم". سردتُ شروطي المتلخصة في عدم التدخل في شؤون حياتي أو عملي، والبقاء ضمن حدود المنزل، والكف عن استخدام سحرها لإيذاء أحد أو التلاعب بعقلي. استمعتْ إليّ بصمت مريب، وقبل أن أتم حديثي، التقفت الورقة بأطراف أصابعها لتشتعل فيها نيران زرقاء باردة التهمتها في رمشة عين دون أن تترك أثراً من رماد، ثم قالت بابتسامة يلفها الغرور: "قواعدك لا تسري على من خُلق من نار السموم يا آدم؛ أنا أتنفس الفوضى التي تجاهد أنت لترتيبها". استمر هذا العناد المتبادل طيلة اليوم، في حرب باردة من النظرات الحادة والكلمات اللاذعة، حتى أرخى الليل سدوله وجلب معه عاصفة لا تشبه عواصف الخريف في شيء. اهتزت جدران المنزل العتيق فجأة إثر دوي رعد غير طبيعي؛ رعد لم يضرب قبة السماء بل بدا وكأنه ينبعث من غياهب الأرض، تبعه وميض أحمر قانٍ أضاء النوافذ بشكل جنائزي مرعب. في تلك اللحظة، شهدتُ ما لم يدر بخلدي قط؛ سقط الكوب الزجاجي من يد يارا ليتهشم على الأرض، وانكفأت خطواتها المتعالية لتلتصق بزاوية معتمة، محاولةً التواري في الظلال. كان جسدها الممشوق يرتجف بوضوح، وتلك العيون الذهبية التي طالما رمقتني بازدراء، باتت الآن متسعة بهلع مصفى؛ رعب حقيقي حاولت يائسة مواراته خلف قناع الكبرياء الذي بدأ يتداعى أمام ناظري. اقتربتُ منها ببطء، متناسياً غضبي وأنفتي، ورأيت كيف ضمت ذراعيها حول نفسها في دفاع غريزي لم يمحُ فتنتها، بل أضفى عليها ضعفاً آسراً جعل الدماء تمور في عروقي بوهج مختلف هذه المرة. أدركتُ حينها، وسط زمجرة الرعد والتوتر الذي استحال من غضب مستعر إلى رغبة محمومة في حمايتها، أن هذه الجنية المتمردة لا تعبث معي لمجرد التسلية، بل هي طريدة خائفة.. هاربة من كابوس يفوق إدراكي، شيء يقتفي أثرها في العتمة، ولم أكن أنا سوى ملاذها الأخير.