الجزء 3
الفصل 2: احتراق الحواجز وانكشاف السّر
الجزء 3
الفصل 2: احتراق الحواجز وانكشاف السّر
الجزء 3
الجزءالثالث: اعترافات في الظلام
********************
لم تدفعني، وكنتُ قد توجستُ أن تضربني بتعويذة تطوّح بي خارج الغرفة، أو أن تشتعل عيناها بذاك الغضب الناري المعهود، لكنها بدلاً من ذلك كله، تجمدت. وتحت وطأة شفتيّ اللتين لامستا بشرتها الباردة، شعرتُ بارتجافة عنيفة تسري في جسدها الممشوق. أغمضتْ عينيها الذهبيتين، وللمرة الأولى استسلمت؛ إذ انهار جدار الكبرياء الذي شيدته بمهارة، وسقطت تلك الهالة المرعبة لتترك بين ذراعيّ امرأة متعبة، أنهكها الركض، وتبحث عن مأوى. تراجعتُ ببطء، أتأمل وجهها الذي خلع قناع السخرية وبدا الآن هشاً بشكل يدمي القلب. زفرتْ بعمق، وكأن زفرتها تلك تحمل أثقال قرون، ثم انزلقت من على حافة المكتب لترتمي على الأرضية الخشبية الباردة، وتضم ركبتيها إلى صدرها كطفلة ضائعة. جلستُ بجوارها في صمت، تاركاً الظلام يلفنا إلا من نور الشمعة الخافت. وعندما تحدثتْ أخيراً، كان صوتها خافتاً، مجرداً من أي صدى سحري أو تعالٍ:
"أنا لستُ وحشاً جاء ليدمر حياتك يا آدم.. أنا هاربة".
التفتُّ إليها، فالتقت نظراتنا بصدق لم نعهده من قبل، فتابعت والدموع تترقرق في عينيها لأول مرة، لتدحض كل فكرة لديّ بأنها مجرد كيان بلا مشاعر:
"اسمه مهراز.. ملك الجن السفلي؛ طاغية يحكم عالمه بالدم والنار، وأرادني أن أكون محض جارية في بلاطه. لم يكن حباً، بل رغبة في امتلاك سلالتي وقوتي وكسر إرادتي بسحر أسود يسلبني روحي ويجعلني جسداً خاضعاً في قصره الملعون".
ابتلعتْ ريقها، وامتدت يدها المرتجفة لتلامس العقد الفضي الذي يتدلى من عنقي بحذر شديد هذه المرة، وأضافت:
"لم يكن أمامي خيار للنجاة سوى هذا العهد القديم؛ فالتزاوج مع بشري بعهد الدم هو السحر الوحيد الذي يعمي بصر مهراز عني؛ إذ يغلف طاقتي بهالتك البشرية ويخفيني عن حراسه ووحوشه. عندما سقطت قطرة دمك على العقد، استيقظ الرابط وانتشلني من حافة الهلاك.. لم آتِ لأتسلط عليك يا آدم، بل جئتُ لأحتمي بك".
نزلت كلماتها كالمطرقة على قلبي؛ فكل غضبي منها، وكل إحساسي بالقهر لأنها اقتحمت حياتي وصادرت حريتي، تبخر في تلك اللحظة. لم تكن المعتدية المتغطرسة، بل كانت الضحية التي التجأت إليّ كدرعها الأخير، وتلحفت بالسخرية كي لا يظهر وهنها. رفعتُ يدي ببطء، متجاوزاً كل مخاوفي القديمة، ومسحت دمعة متمردة انزلقت على خدها، فمالت بوجهها نحو باطن كفي في حركة عفوية، مستسلمة لدفء يدي، في لمسة أذابت ما تبقى من الجليد بيننا. همستُ بنبرة قاطعة، استشعرتُ فيها غريزة حماية لم أختبرها من قبل:
"لن يمسكِ".
"لا مهراز ولا جيوش عالمه السفلي بأكمله. أنتِ في حمايتي الآن يا يارا.. وهذا العهد لم يعد مجرد لعنة، بل صار وعداً".
رفعتْ عينيها إليّ، وفي تلك اللحظة، وسط العتمة والاعترافات الموجعة، ولدت بيننا شرارة جديدة؛ لم تكن شرارة حرب أو تحدٍ، بل جذوة عشق محرم يولد من رحم الخطر، عشق أدركنا كلينا، في صمتنا العميق، أنه سيكلفنا الكثير.