الجزء 4
الفصل 2: احتراق الحواجز وانكشاف السّر
الجزء 4
الفصل 2: احتراق الحواجز وانكشاف السّر
الجزء 4
الجزء الرابع: الاستسلام الأول
********************
بعد تلك الاعترافات الموجعة في عتمة المكتبة، تبدل كل شيء؛ إذ لم أعد أرى فيها تلك الجنية المتغطرسة التي اقتحمت حياتي وصادرت حريتي، بل أبصرتُ المرأة التي كشفت لي عن مكامن ضعفها وأودعت روحها بين يدي. في تلك الليلة، تداعى عنادي البشري تماماً، وتبخر غضبي الذي لم يكن في حقيقته سوى درع هش يواري خلفه رغبة مجنونة أبت الاعتراف بنفسها طويلاً. كنا لا نزال على الأرض، ويدي لا تزال تحتضن وجهها البارد، بينما أنفاسنا تتسارع والمسافة بيننا تتقلص بشكل حتمي حتى تلاشت تماماً. لم تكن هي من بادر هذه المرة لإثبات السطوة، بل أنا؛ إذ انحنيتُ والتقمتُ شفتيها في قبلة لم تكن كسابقتها؛ لم تكن للترويض أو التحدي، بل كانت قبلة جائعة، عميقة، ومثقلة بكل الشغف الذي طالما أنكرناه. تجاوبتْ "يارا" باندفاع أذهلني وأجج النيران في عروقي، فلفّت ذراعيها حول عنقي وتشبثت بي كأنني طوق نجاتها الوحيد في هذا الكون المعتم، مطلقة تنهيدة حارة ذابت في فمي. هناك، التقت برودة جسدها الساحرة بحرارة دمي البشري المستعر، لتخلق بيننا امتزاجاً فتاكاً أسقط ما تبقى من حصون العقل. حملتها بين ذراعي بلهفة لم أعهدها، وهي لا تفصل شفتيها عن شفتيّ، واتجهتُ بها نحو غرفتي، راكلاً الباب ليغلق خلفنا ويعزلنا عن العالم بأسره. في تلك الليلة العاصفة، سقطت الحواجز كلها، وتجاوزنا معاً كل الخطوط التي تفصل بين عالمينا؛ فقد كان لقاءً ملحمياً التحمت فيه قسوتها وشراستها بضعفها الأنثوي الطاغي الذي لم تظهره لسواي، وذاب رفضي القديم في بوتقة عشقي المفاجئ، لتندلع بيننا جذوة عاطفية أحرقت كل قواعد المنطق. لم يكن مجرد اندماج جسدي، بل كان طقس استسلام متبادل وتوثيقاً حقيقياً لعهد الدم؛ إذ تركتُ علامات بشريتي على بشرتها المرمرية، بينما حفرت هي سحرها في أغوار روحي بلمساتها التي تأرجحت بين النعومة الفائقة والحدة المهلكة. كنا كعاصفتين تصادمتا لتخلقا إعصاراً واحداً؛ التحاماً مثالياً بين النار والجليد، وبين واقعيتي الصارمة وفوضاها السحرية. وعندما هدأ الإعصار وأخيراً، وانقشع ضباب الرغبة المحمومة، غفتْ على صدري بسلام لم أره على ملامحها قط، بينما تشابك شعرها الليلي الكثيف مع أصابعي. استمعتُ إلى دقات قلبها التي انتظمت لتتآلف مع دقات قلبي، وأدركتُ في ذلك السكون المهيب أنني لم أعد أدافع عن عهد فرضه جدي في الماضي، بل غدوتُ أقاتل بشراسة من أجل المرأة التي تملكت كياني في الحاضر؛ لقد اكتمل العهد حقاً، واستحالت اللعنة إلى أعظم وأخطر أقداري.