الجزء 2
الفصل 3: غضب الملك
الجزء 2
الفصل 3: غضب الملك
الجزء 2
الجزء الثاني: اقتحام العالم السفلي
********************
انفجر زجاج النوافذ نحو الداخل دفعة واحدة، وتناثرت شظاياه كخناجر جليدية في الأثير. لم يكن ما اقتحم منزلنا رياحاً أو مطراً، بل كان ظلاماً حياً؛ كتل من الدخان الأسود الكثيف تتلوى وتتشكل في هيئات محاربين طوال القامة، عيونهم جمرات مستعرة، وأسلحتهم شفرات صيغت من الظل القاطع. امتدت في أرجاء المنزل رائحة الموت والكبريت، واهتزت الجدران تحت وطأة حضورهم المرعب، لكنني لم أتردد؛ إذ التقطتُ قضيباً حديدياً ثقيلاً كنت قد أعددته مسبقاً، واستدعيتُ تلك الشرارة السحرية التي غرزتها "يارا" في دمي. توهج العقد الفضي على صدري، وسرت طاقة زرقاء حارقة في عروقي لتغلف الحديد بنور مستعر، فاندفعتُ نحو أقرب كيان مظلم وهويتُ بضربة شطرت جسده الدخاني إلى نصفين، ليتبخر بصرخة مكتومة. وإلى جانبي، كانت يارا تقاتل بشراسة أسطورية؛ اشتعلت يداها بنيران زرقاء مبهرة، وكانت تتهادى بين الظلال كعاصفة مميتة، تحرق كل مَن يجرؤ على الاقتراب، فقاتلنا ظهراً لظهر، نتحرك بتناغم مثالي يمزج بين صلابة المعدن وفوضى السحر الخالص، غير أن الأعداد كانت تتضاعف، والبوابة الممزقة في سماء الغرفة كانت تقذف المزيد منهم بلا هوادة. فجأة، انشقت صفوف الظلال ليدخل كيان أضخم وأشد رعباً، يرتدي درعاً ملتهباً ويحمل في يده سوطاً من نار سوداء؛ لم يكن مجرد جندي، بل كان أحد قادة "مهراز". التقت نظراتي بنظراته، وفي طرفة عين، هوى بسوطه ليضرب صدري، فلم يكن ألماً عادياً، بل شعرتُ كأن روحي تُنتزع انتزاعاً من جسدي. ارتددتُ في الهواء لأرتطم بالجدار الحجري بعنف، وانهار جزء من السقف فوقي، فسقطتُ ألهث وأغص بدمي الذي ملأ فمي، بينما كان الظلام يزحف إلى أطراف رؤيتي. حاولتُ النهوض، لكن جسدي البشري كان قد بلغ مداه الأقصى، وتلاشت الشرارة الزرقاء من عروقي، فصرخت يارا بصوت مزق نياط قلبي وهي تحاول الاندفاع نحوي:
"آدم!"
لكن القائد حاصرها، ورفع يده فتجمدت حركتها فجأة تحت تأثير تعويذة قهرية، ثم وجه نظره إليّ وأنا ألفظ أنفاسي بصعوبة، وتحدث بصوت يشبه احتكاك الصخور المتآكلة:
"عهد الدم يحميك من سحرنا المباشر أيها البشري، لكنه لا يحميك من أن تُسحق تحت الأنقاض".
"استسلمي يا يارا، وعودي طوعاً لعرش الملك، أو سأجعلكِ تشاهدين هذا الكائن التافه يتحول إلى أشلاء".
نظرتْ يارا إليّ، ورأيتُ في عينيها صراعاً مريراً؛ رأيتُ الجنية المتمردة التي تأنف العبودية، ورأيتُ المرأة التي أحبتني لدرجة التخلي عن كبريائها. كانت الدماء تغطي وجهي والأنفاس تفارقني، فعلمتُ أنها اتخذت قرارها حين صرختْ بصوت متهدج لكنه حاسم:
"توقف! سأعود معكم.. اتركوه يحيى".
انطفأت النيران الزرقاء في يديها تماماً، وتقدمتْ نحوي بخطوات وئيدة، متجاهلة حراس الظل الذين أحاطوا بها، ثم ركعتْ بجانبي وسط الركام، ودموعها تتساقط بمرارة على وجهي المثخن بالجروح. انحنت لتطبع قبلة أخيرة على شفتيّ؛ قبلة لم تحمل شغف الأمس، بل مرارة الوداع وطعم الفناء، وهمستْ في أذني:
"لقد منحتني أجمل أيام حياتي الخالدة يا آدم".
وضعت يدها الباردة فوق قلبي، فشعرتُ بنبضة سحرية دافئة تتدفق منها إليّ، ترمم جراحي وتذود عني شبح الموت، مستنزفةً ما تبقى من رمق طاقتها، وتابعت:
"عِش من أجلي.. وانسني".
نهضتْ بقامة مستقيمة، واستعادت قناع برودها العتيق وهي تلتفت نحو القائد:
"خذني إلى جحيمه".
التفت الظلال حولها ككفن أسود؛ صرختُ باسمها وحاولتُ مد يدي المحطمة للتشبث بطرف رصيصها، لكن الأوان كان قد فات؛ إذ ابتلعتها البوابة، وبانفجار صامت ووميض أعمى بصري، اختفت هي وتبخرت الظلال، والتأم شق السماء المظلم. ساد صمت موحش في الغرفة المحطمة، وكنتُ ملقىً على الأرض، حياً بفضل تضحيتها، لكنني شعرت بأن الوجود بأسره قد أُفرغ من معناه. أغمضتُ عينيّ، ووسط الركام ووجع الفقد الذي فاق كل نصل جسدي، أدركتُ شيئاً واحداً بيقين لا يتزعزع: لن أنساها، ولن أتركها لهم، وحتى لو اضطررتُ لإسقاط العالم السفلي حجراً حجراً.. سأستعيد زوجتي.