الجزء 1
الفصل 3: غضب الملك
الجزء 1
الفصل 3: غضب الملك
الجزء 1
الجزءالأول: اندماج العوالم
********************
أضحى الوشم الأسود القابع على ظهر "يارا" ساعة رملية غير مرئية، تذكرنا كل نبضة خافتة فيه بأن وقتنا ينفد، وأن "مهراز" يحشد جيوشه في الظلام لتهشيم أبواب عالمنا، غير أن هذا التهديد المميت لم يلقِ بنا في غياهب اليأس، بل كان كزيت صُبَّ على نيران عشقنا المحرم، ليحيله ضراماً لا يُبقي ولا يذر. وفي الأيام التي تلت ظهور الختم، اعتزلنا العالم الخارجي تماماً؛ فغدا المنزل العتيق قلعتنا وملاذنا الأخير، وأدركتْ يارا أن هيكلي البشري وحده لن يصمد أمام سطوة العالم السفلي، فقررت أن تخرق آخر قوانين بني جنسها وتشركني في جوهر طاقتها. ففي ذات مساء، وبينما كنا نجلس في القبو حيث بدأت الحكاية، أحكمت قبضتها على يديّ، وكانت عيناها الذهبيتان تفيضان ببريق دافئ ومختلف وهي تقول:
"العهد الذي يجمعنا ليس مجرد درع يا آدم، بل هو جسر".
"لقد منحتني بشريتك لأتوارى خلفها، والآن، يجب أن تنهل من سحري لتصمد معي حين تعصف الريح".
بدأت تعلمني كيف أستشعر النبض الخفي في العقد الفضي، وكيف أشرع أبواب روحي لاستقبال تيار طاقتها الجارف. في البداية، شعرتُ وكأنني أبتلع شظايا من زجاج منصهر؛ فسحر الجن ثقيل، جامح، ولا يعترف بقوانين الفيزياء التي أفنيتُ عمري في دراستها، لكن مع كل لمسة منها، ومع كل همسة تبث فيّ الشجاعة، بدأ جسدي يتكيف مع هذا المخاض السحري. أصبحت علاقتنا تتجاوز حدود الجسد، لتستحيل اندماجاً روحياً كاملاً؛ فكنا نقضي ساعات الليل في طقوس من العشق العميق حيث تلاشت الحاجة للكلمات، وحين نلتحم، كنتُ أبصر توهجاً أزرق يسري في عروقي، ينبض بتناغم تام مع خفقات قلبها. شاركتني ذكرياتها؛ تلك الومضات من عالمها القاسي المظلم، وشاركتها ذكرياتي؛ دفء الشمس ومفهوم الفناء البشري الذي جعلها تدرك قيمة اللحظة التي نحياها معاً. بتُّ أستطيع تحريك الأشياء بمجرد التركيز عليها من خلال رابط الدم، وأصبحت حواسي حادة كشفرة؛ أسمع همس الريح، وأستنشق رائحة الخطر قبل أن يتشكل. لقد تحولتُ من إنسان يقدس المنطق، إلى بشري يحمل في صدره شرارة من نار السموم، وكل ذلك كان فداءً لها. كانت تلك الأيام، رغم قصرها ورغم سيف الخوف المصلت فوق رقابنا، هي الأجمل في حياتي؛ كنت أستيقظ لأجدها تتأملني بحنان لا يمت بصلة لبرودها القديم، وأنام وأنا أدفن وجهي في شعرها، مستنشقاً عطر البرق وخشب الصندل الذي غدا أكسجيني الوحيد. كنا نحيا في فقاعة من السكون المسكر، متجاهلين الإعصار الذي يتجمع في الأفق، غير أن السكون لا يدوم في عالمنا، ولا في عالمهم. ففي الليلة السابعة لظهور الوشم، كنا نقف معاً أمام النافذة نرقب سماء الخريف الملبدة، وكانت تسند رأسها إلى كتفي بينما ذراعي تطوق خصرها بإحكام، وفجأة، كف المطر عن الهطول وكأن الزمن قد تجمد، وماتت أصوات الحشرات، وانقطع التيار الكهربائي في الحي بأكمله دفعة واحدة. انبعثت من الوشم على ظهرها حرارة لاذعة جعلتها تلهث وتتصلب بين ذراعيّ، وارتفع توهج العقد الفضي على صدري حتى أضاء الغرفة بلون أزرق سقيم. نظرتُ إلى الخارج، فرأيت ما جعل دمي يستحيل جليداً؛ لم تكن تلك غيوماً عادية، بل كانت شقوقاً سوداء تمزق قبة السماء، يتسرب منها دخان كثيف وزفر كبريت خانق. التفتت يارا إليّ، ووجهها شاحب كالموت، لكن عينيها كانتا تتقدان بتصميم أخير، وهمست بصوت يرتجف بينما بدأت جدران المنزل تميد تحت وطأة ضغط غير مرئي:
"لقد تهشم الدرع يا آدم.. لقد وصلوا".