حكاياتي

الفصل 3: غضب الملك

الجزء 4
الجزء الرابع: طقوس العبور ******************** لم أهدر ثانيةً واحدة؛ إذ غادرتُ حطام غرفتي بخطوات مسعورة نحو مكتبة جدي الأكبر. كانت الغرفة تعج بالفوضى، رفوفها محطمة وكتبها متناثرة كجثثٍ هامدة، بيد أن الصندوق الخشبي الذي يحوي مذكراته كان لا يزال يقبع في زاويته المظلمة، وكأنه يترقب هذه اللحظة منذ عقود. جلستُ على الأرض وسط الركام، أقلب الصفحات المهترئة بأصابع مرتجفة ملطخة بدمائي التي جفت، باحثاً عن ذلك الخيط الرفيع؛ عن اسم الساحر المنبوذ الذي ذكره جدي عرضاً. أخيراً، استقرت عيناي على صفحةٍ ممزقة الحواف، كُتبت بحروف تبدو وكأنها نُقشت بإبرة محمومة، تتحدث عن "بوابة الدم"؛ ذلك الطقس المحرم الذي لا يجرؤ حتى أعتى سحرة الجن على ممارسته، والذي ابتكره ساحر منبوذ يُدعى "عزيل"، ليكون السبيل الوحيد لفتح ثغرة بين العالمين دون مشيئة الملك. لكن الثمن كان باهظاً، فالسطور التحذيرية في أسفل الصفحة كانت ناطقة بالهول: "العبور يتطلب تضحيةً بجوهر الحياة؛ فعلى البشري الذي يجرؤ على شق حجاب العوالم أن يدفع من روحه وعقله، فبوابة الدم لا تُشرع أبوابها إلا لمن استغنى عن بشريته". قرأتُ التحذير وابتسمتُ بسخرية مريرة؛ فأي بشرية يتحدثون عنها؟ لقد فُقدت روحي حين ابتلعها ذلك الشق المظلم، ولم يعد عقلي يقرُّ بسوى هدف واحد: استعادتها. أزحتُ السجاد القديم لأكشف عن الأرضية الخشبية في منتصف المكتبة، واستخدمتُ شظية من الزجاج المكسور لأجرح باطن كفي جرحاً غائراً، ولم أشعر بالألم، فالألم الحقيقي كان ينهش نياط قلبي. بدأتُ أرسم الطلاسم والدوائر المتداخلة مستخدماً دمي حبراً، كنت أرسم بدقة المهندس، وبنزق العاشق الذي لم يعد لديه ما يخسره. وعندما اكتملت الدائرة، نزعتُ العقد الفضي من عنقي؛ ذلك العقد الذي كان فاتحة اللعنة، ووضعته في مركز الدائرة تماماً، ثم ركعتُ خارج حدود الدماء وأغمضتُ عينيّ، مستحضراً تلك الشرارة الزرقاء التي غرزتها "يارا" في دمي. استرجعتُ لمساتها، ورائحتها، ونظرة الوجل في عينيها حين ضحت بنفسها لأجلي، وضحكتها الساخرة التي كانت تستفزني وتأسرني في آن واحد. حولتُ هذا الحنين المستعر إلى طاقة، وبدأتُ أتمتم بالتعويذة المكتوبة بلغة الساحر المنبوذ، فكانت الكلمات ثقيلة على لساني البشري كأنني أتجرع جمراً مشتعلاً. ومع كل حرف أنطق به، كان دمي المسفوح على الأرض يفور، والعقد الفضي يتوهج بضياء أزرق وأحمر متداخل. فجأة، عصفت بي موجة من الألم الساحق، وكأن آلاف المسامير تُدقُّ في جمجمتي دفعة واحدة، وشعرتُ بشراييني تشتعل وبكياني البشري يتمزق محاولاً استيعاب طاقة غريبة عنه، فصرختُ بملء صوتي، لكنني لم أنقطع عن التلاوة، بل ضغطتُ على أسناني حتى كادت تتهشم رافضاً الاستكانة. بدأ الهواء في الغرفة يدور في دوامة عاتية، وانبعثت رائحة الرماد والكبريت، واهتزت الأرض من تحتي، ومن قلب العقد الفضي انشق الفراغ. لم يكن باباً بمفهومه المألوف، بل كان جرحاً غائراً في نسيج الواقع؛ ثغرة تنبض بظلام لزج وأصداء تشبه عويل الأرواح المعذبة. فتحتُ عينيّ لأحدق في الهاوية التي تفصلني عن زوجتي، فكان الشق يتقلص ويرفض الاستقرار، متطلباً مزيداً من الطاقة.. مزيداً من الدم. وقفتُ على قدميّ المرتجفتين ونظرتُ إلى يدي الملطخة، فلم يساورني تردد؛ خطوتُ خطوةً للأمام واضعاً قدمي داخل الدائرة الدموية، ثم قذفتُ بجسدي كله داخل ذلك الشق المظلم قبل أن ينطبق. وفي لحظة العبور، شعرتُ وكأنني أُسحق بين رحيين عملاقتين، وتلاشت حواسي البشرية كلها، فغرق عقلي في سواد مطلق، ولم يبقَ ما يضيء عتمتي سوى بريق عينيها الذهبيتين في ذاكرتي، والعهد الذي قطعته على نفسي: أن أعود بها، أو أحترق معها في قصر الرماد.