الجزء 5
الفصل 3: غضب الملك
الجزء 5
الفصل 3: غضب الملك
الجزء 5
الجزءالخامس: قصر الرماد
********************
ارتطمتُ بأرضٍ صلبة كجليد الفناء، ألهثُ بعنف وكأن رئتيّ قد امتلأتا بشظايا من زجاج مسنون. استغرقني الأمر بضع دقائق لأستوعب أنني لا أزل حياً، وأن العبور عبر "بوابة الدم" قد قذف بي إلى الضفة الأخرى من الوجود. بصقتُ الدماء من فمي، ورفعتُ رأسي لأتأمل العالم الذي ابتلع زوجتي؛ فلم تكن هناك سماء بالمعنى الذي نعهده، بل قبة شاسعة تنزف ضوءاً قرمزياً سقيماً، وتُمطر رماداً أسود لا ينقطع، يتساقط بصمت كثلج الجحيم. كان الهواء ثقيلاً، مشبعاً برائحة الحديد المحترق واليأس، بينما بدت الجاذبية مختلفة، تشدني نحو القاع بقوة غريبة. تحسستُ العقد الفضي فوق صدري؛ فكان ينبض بحرارة متقطعة كبوصلة حية توجهني نحوها، وبفضله، وبفضل تلك الجذوة السحرية التي غرزتها "يارا" في دمي، أدركتُ أن رائحتي البشرية محجوبة مؤقتاً عن حراس هذا العالم الكابوسي. نهضتُ متجاهلاً ألم عظامي التي كادت تطحنها تروس العبور، وسرتُ متخفياً بين صخور بركانية داكنة، ولم أمضِ طويلاً حتى لاح لي في الأفق بناء يمزق سماء الرماد. وبوصفِي مهندساً معمارياً، كان المشهد كفيلاً بزعزعة أركان عقلي؛ إذ لم يكن قصراً مشيداً بقواعد الهندسة أو الفيزياء، بل كتلة هائلة من حجر السبج الأسود المدبب، ملتوية ومائلة بزوايا مستحيلة، كأنها مخلب وحش عملاق انبثق من أحشاء الأرض لينهش كبد السماء؛ كان ذلك هو "قصر الرماد"، عرش "مهراز". تسللتُ عبر بوابات خلفية شاهقة، مراوغاً دوريات من كائنات الظل والمسوخ التي تجوب الأروقة، فكانت هندسة القصر من الداخل فوضوية؛ ممرات ملتوية وسلالم تفضي إلى العدم، لكن نبض العقد في صدري كان دليلي الأوحد، حتى قادني إلى شرفة علوية مظلمة تطل على قاعة شاسعة تتوسط القصر. زحفتُ على بطني حتى حافة الشرفة، ونظرتُ إلى الأسفل، فتجمدت الدماء في عروقي؛ إذ كانت القاعة مضاءة بمشاعل من نيران خضراء باهتة، وفي المنتصف، وعلى عرش محفور من عظام وبلور أسود، جلس "مهراز". كان ضخماً، مهيباً، ينضح بطاقة شريرة تجعل الهواء حوله يرتجف، مرتدياً تاجاً من نيران سوداء، يرقب المشهد أمامه بابتسامة متغطرسة، لكن عيني لم تطل الوقوف عنده، بل هرعت نحو قلب القاعة، حيث كانت هي. كانت "يارا" راكعة على منصة حجرية، مقيدة بسلاسل سحرية تنبض بلون أحمر قانٍ، مشدودة إلى معصميها وعنقها، وقد ألبسوها ثوباً أسود ممزقاً يحاكي ثياب العرائس في كوابيس الموتى؛ صُمم ليكون إهانة لا زينة. شعرها الليلي الذي كنت أعشقه كان متناثراً باهتاً، والوشم اللعين على ظهرها يتوهج بضراوة، يمتص ما تبقى من طاقتها وإرادتها. لم تكن تلك الجنية الشرسة التي قلبت حياتي رأساً على عقب، بل بدت مكسورة، خاوية، وعيناها الذهبيتان اللتان طالما اشتعلتا بالتحدي غدتا مطفأتين تماماً، تحدقان في الفراغ باستسلام قاتل؛ كانوا يجهزونها لطقس الارتباط الأبدي؛ زواج الإكراه الذي سيسلبها روحها ويحولها إلى جارية أبدية للملك. إن مشهد انكسارها لم يفتَّ في عضدي، بل أورى في داخلي بركاناً من الغضب لم أدرك أنني أختزنه؛ فنسيتُ ضعفي البشري، ونسيتُ أنني أقف وحيداً في مواجهة جيش لا يُقهر، وكل ما استوعبته في تلك اللحظة أن هذه المرأة الراكعة في ذل هي زوجتي، وهي ملكي أنا؛ لا بسطوة السحر، بل بقوة الحب الذي أحرق المسافات بين العالمين لكي نلتقي. وقفتُ ببطء في عتمة الشرفة، ونزعتُ العقد الفضي عن عنقي، ولففته حول قبضتي اليمنى كأنها قبضة حديدية لامعة، فلم أقطع هذا الجحيم كله، ولم أضحِ بشطر روحي، لأقف في الظلال متفرجاً؛ فقد حان الوقت ليرى ملك العالم السفلي غضبة رجل سُلبت منه حياته.