الجزء 5
الفصل 4: ثمن النجاة
الجزء 5
الفصل 4: ثمن النجاة
الجزء 5
الجزء الخامس: وميض تحت الجلد (النهاية)
********************
انصرمت الأيام ببطءٍ عذب، وكأن الزمن يجاهد لتعويضنا عن كل ثانية قضيناها في ردهات الجحيم؛ فاستقرت حياتنا أخيراً، أو هكذا خُيّل إليّ. فقدتْ "يارا" الكثير من بريقها السحري الغاشم، وغدت أقرب إلى هشاشة البشر، لكنها لم تفقد يوماً شراستها، ولا سخريتها اللاذعة التي كانت تدفعني نحو الجنون، ولا تلك الجاذبية الطاغية التي تسلب إرادتي وتجعلني أسيراً لها بمحض رغبتي. وفي تلك الليلة العاصفة، كان المطر يجلد زجاج النوافذ بقسوة، بينما كانت غرفتي ملاذاً دافئاً يضطرم بشغفنا؛ لم تكن مجرد ليلة عابرة، بل كانت إعلاناً صارخاً للانتصار؛ إذ التحمت أجسادنا بلوعة مَن نجا من الموت بأعجوبة، وتداخلت أنفاسنا وهمساتنا المحمومة لتعترف بما كابرنا في مواراته طويلاً؛ لقد كسرنا المستحيل، وتحدينا نواميس عالمين لنكون معاً. كانت لمساتها جريئة ملحة، تستمد مني الحياة وأستمد منها الوجود، في اندماجٍ جسدي وروحي أذاب كل ما تبقى من فوارق بين الإنسي والجنّية. وبعد أن سكنت العاصفة بيننا، غفت بسلام بين ذراعيّ، فكانت أنفاسها منتظمة وملامحها منهكة لكنها مطمئنة لأول مرة منذ اقتحمت حياتي. رقبتُ انعكاس ضوء القمر الخافت وهو يتسلل من شق الستارة ليرسم ظلالاً فضية فوق منحنيات جسدها العاري، وبحذرٍ شديد مررتُ أطراف أناملي على ظهرها، أبحث عن أي أثر لعالمها القديم، لأطمئن إلى زوال كابوسنا المظلم.. لكن يدي تصلبت فجأة. هناك، في الموضع ذاته الذي كان يستعر فيه وشم "مهراز" اللعين، برز خط قرمزي رقيق، كان ينبض بخفوتٍ شديد كجمرةٍ خبيثة تتواري تحت الرماد، فحبستُ أنفاسي وأنا أرقب الومضة وهي تتسع للحظة تحت بشرتها الملساء قبل أن تغوص مجدداً في أعماقها. وفي تلك اللحظة بالذات، خُيّل إليّ أنني أسمع صدى ضحكة الملك المتهكمة تتردد في زوايا غرفتي المظلمة، فضممتها إليّ بقوةٍ أكبر، وأبقيت عينيّ مفتوحتين في العتمة أصارع هواجسي. غير أنني، وفي الليلة ذاتها، وبينما كنت أُقنع نفسي بأن السكينة قد غدت أخيراً ملكاً لنا، أفقتُ مفزوعاً على برودة غريبة اجتاحت الغرفة؛ برودة ثقيلة لا تنتمي لعالمنا، كأنها تسللت من صدعٍ في جدار الزمن. اعتدلتُ في فراشي، فتجمد الدم في عروقي؛ إذ كان العقد الفضي الملعون على الطاولة الخشبية.. العقد الذي ظننتُ أننا خلفناه في العالم السفلي أو أنه تكسر أثناء العبور، قد عاد سليماً تماماً، يستقر هناك ويبعث ضياءً أزرق خافتاً ونبضاً غامضاً لم أعهده فيه من قبل. مددتُ يدي المرتجفة نحوه، وما إن لامستُ معدنه البارد حتى صعقني همسٌ نفذ إلى عقلي مباشرة، ولم يكن صوتها، بل كان هسيساً أقدم، وأعمق، وأشد قتامة، يتحدث بلغةٍ استوعبتها غريزتي قبل ذهني:
"لقد أُغلق باب الملك.. لكن باب العهد لم يُغلق بعد".
انتفضتُ أبحث عنها بجانبي، لكن الفراش كان خاوياً وبارداً، فالتفتُّ بحدة نحو النافذة ورأيتها هناك؛ كانت واقفة تولي بظهرها إليّ، يحيط بها سواد الغرفة، وتحدق في انعكاسها على الزجاج بوجهٍ شاحبٍ كالموتى، فناديتها بصوتٍ مبحوح:
"يارا.. ماذا يحدث؟"
التفتت إليّ ببطءٍ شديد، فسقط قلبي في هاويةٍ بلا قرار؛ إذ لمحتُ في عينيها اللتين طالما سحرتا بي شيئاً جديداً.. شيئاً مظلماً، عتيقاً، لم يكن فيهما قط؛ لم تكن نظرة زوجتي الجنية المتمردة، بل كانت نظرة كيانٍ آخر، غريب ومخيف، يرقبني من خلف حدقتيها، فارتجفت شفتها وهمست بصوتٍ متهدج، مرتبك وواهٍ للمرة الأولى:
"آدم.. هناك مَن عبر معنا".
(النهاية)