الجزء 4
الفصل 4: ثمن النجاة
الجزء 4
الفصل 4: ثمن النجاة
الجزء 4
الجزء الرابع: التضحية بالخلود
********************
لم يكن النزال ضد "مهراز" مجرد قتال، بل كان صداماً بين قوى طبيعية غاشمة؛ إذ اندفع الملك نحونا وسيفه المظلم يشق الأثير بهدير مرعب، فتصدت له يارا بكفيها المشتعلتين، وصدت الضربة بوهج من النيران الزرقاء أضاء أركان القاعة بأكملها. انتهزتُ تلك اللحظة الخاطفة واندفعتُ من الجانب، موجهاً قبضتي المحصنة بالعقد الفضي نحو درعه، وبمجرد أن لامست الفضة المضمخة بدمي درعه السحري، وقع انفجار عكسي أطاح بمهراز خطوات للخلف مخلفاً شقاً في لامة درعه السوداء، غير أنه قهقه بمرارة؛ فقد كان يستمد طاقته من القصر ذاته، وكلما أثخنّاه بالضربات بدا وكأن القاعة تلتئم لتمده بمدد جديد من القوة. صرخت يارا فوق دوي المعركة وعيناها تمسحان جحافل الظل التي بدأت تتجمع لسد المنافذ:
"لن نهزمه في عقر داره يا آدم!"
"هذا عالمه وهو الخالد فيه.. يجب أن نبلغ البوابة!"
أومأتُ برأسي مدركاً أن النصر لا يكمن في سحقه، بل في الفرار من جحيمه؛ فتراجعت يارا خطوة وحشدت طاقتها كلها في كرة نارية زرقاء عاتية، ثم قذفت بها نحو سقف الكريستال الأسود لا نحو مهراز، فتهاوى السقف بدمارٍ مزلزل وتساقطت كتل هائلة من الحجر والرماد لتفصل بيننا وبين الملك وجيشه. صرخت وهي تشبث بيدي:
"اركض!"
هرعنا عبر الأروقة الملتوية لقصر الرماد بينما كانت الأرض تميد من خلفنا بفعل صرخات مهراز الغاضبة، وقادتني يارا بغريزتها نحو النبض الخافت للبوابة التي شققتُها بدمي. كانت المطاردة ملحمية؛ وحوش من الظل تنبثق من الجدران فأتصدى لها بفضتي وتحرقها يارا بما استبقت من سحرها، حتى بلغنا أخيراً تلك الشرفة القاتمة، وهناك كان الشق الغائر في نسيج الواقع يتقلص بتسارعٍ مخيف محاولاً رتق نفسه، فالبوابة كانت على وشك الانطباق. أمرتني يارا بلهجة آمرة:
"اقفز!"
ارتمينا معاً في الفراغ، يحتضن كل منا الآخر، فغمرنا السواد اللزج وبرودة العبور، لكنني لم أشعر هذه المرة بألم، بل بإحساس أننا نُجذب نحو النور الخافت لعالمي، غير أنه قبل أن يكتمل عبورنا، اهتز الفراغ خلفنا، فالتفتُّ لأرى يداً ضخمة من الظلمة المحضة تنفذ من البوابة لتقتنص كاحل يارا؛ لقد لحق بنا مهراز إلى حافة العوالم رافضاً التخلي عن طريدته. تردد صوته في العدم كعاصفة مميتة:
"لن تفلتي مني!"
رمقت يارا تلك اليد المظلمة، ثم نقلت بصرها إليّ؛ كانت تدرك أن البوابة لن تنغلق ما دام مهراز يبقيها مشرعة بقوته الغاشمة، فالتمع في عينيها قرار أخير، مرعب وحاسم، وأفلتت كفّي بوئيد الأرق، ثم دفعتني بعنف نحو الضياء البشري وهي تستدير لتواجه الهاوية. صرختُ محاولاً الارتداد إليها:
"يارا.. لا!"
لكن جاذبية عالمي كانت تجذبني بقوة قاهرة، فصرخت بصوت مفعم بالشجن والإباء:
"عهدي لك أبدي يا آدم.. ولن يتبعنا هذا الظلام أبداً!"
وضعت يديها فوق صدرها واستدعت جوهرها السحري كاملاً، في فعل لم يكن مجرد تعويذة، بل كان اقتلاعاً لخلودها من جذوره، فانبعث من جسدها ضياء أزرق أعشى الأبصار؛ طاقة نقية عاتية اصطدمت بيد مهراز وأحالتها هباءً، وبكل ما استبقت من رمق، هتفت يارا بكلمات الإغلاق النهائي، مضحيةً بسحرها الأزلي لختم الشق بين العالمين إلى الأبد. وفي اللحظة التي انطبق فيها الصدع بانفجار مكتوم، قُذفتُ وإياها خارج البوابة، لنرتطم بخشب الأرضية في مكتبة جدي الأكبر. ساد صمت يطن في الآذان؛ فلا دوي عواصف، ولا عويل وحوش، بل صوت مطر تشرين يقرع الزجاج برفق. زحفتُ بلهفة نحوها، فكانت مسجاة على ظهرها تتنفس بجهدٍ جهيد؛ لم يعد جسدها يشع بتلك البرودة الساحرة، ولم تعد عيناها تتوهجان بذهب الجان السائل، بل استحالتا لؤلؤاً داكناً مفعماً بالإنسانية. رفعت يدها المرتجفة لتلمس وجهي، وابتسمت بوهنٍ خالٍ من السخرية، مفعمٍ بحبٍ خالص وإعياء لا ينتهي، وهمست بصوت رقيق:
"لقد وهبتُ خلودي ثمناً يا آدم.. لكنني ظفرتُ بحياتي".
أطبقتُ ذراعيّ عليها ودموع الارتياح تحرق مقلتيّ؛ لقد وضعت الحرب أوزارها وعدنا إلى عالم البشر معاً، لكنني لم أكن أعلم أن ثمن الخلاص أحياناً يترك خلفه ظلاً لا يمحى.