حكاياتي

الفصل 1: شرارة البداية

الجزء 1
### الجزء الأول: الطفل الذي كان يراقب --- كان التلفاز يضيء الغرفة أكثر مما تضيئها المصابيح. لم يكن رائد يعرف ذلك وقتها؛ لأن ابن التاسعة لا يفكّر في الضوء، بل فيما يعرضه الصندوق المضيء. وما كان يحدث داخل الشاشة تلك الليلة كان أكبر من أن يصفه. كل ما شعر به أن شيئًا في صدره صار يتّسع، كأن قلبه وجد أخيرًا ما كان ينتظره من غير أن يدرك أنه كان ينتظره. كان الجيران قد جاؤوا لمتابعة الحلقة الوثائقية الطويلة عن المحقّق نادر الخطيب. جاؤوا لأن الرجل أسطورة، ولأن الأساطير لا تُشاهَد فُرادى. كانوا يجلسون في الصالة، رجالًا ونساءً تجاوز بعضهم الخمسين، ويتحدّثون بتقدير تشوبه المهابة. قالت إحداهن: "يا لجرأته!" وقال آخر: "بل يا لذكائه!" وضحك ثالث حين ظهر المجرم مكبّلًا على الشاشة قائلًا: "يستحق ذلك؛ ظنّ نفسه أذكى من القانون". كان رائد يجلس على الأرض قريبًا من الشاشة، وقد ضمّ ركبتيه إليه وأسند ذقنه إلى راحتيه. لم يلتفت حين دخل أبوه وخرج، ولم يسمع حين عرضت عليه أمه كوب العصير، ولم يضحك حين ضحك الجميع؛ لأنه لم يكن يرى ما رآه الجميع. --- كانت الشاشة تعرض صورًا من قضية الميناء، كما صارت تُعرَف في الأخبار: اختفاء شحنة بقيمة فلكية، وثلاثة اتهامات خاطئة، وأربعة أشهر من التحقيق لم توصل أحدًا إلى شيء. ثم دخل نادر الخطيب. لم يُظهر التقرير تفاصيل حلّه للقضية، بل اكتفى بمقاطع قصيرة: نادر في غرفة الاستجواب، نادر يتحدث إلى مساعده بنبرة بالغة الهدوء، ونادر أمام الكاميرا يقول جملة واحدة حين سُئل كيف عرف: "الأشياء لا تختفي؛ نحن فقط ننظر في المكان الخطأ". ضجّ الحضور بالتعليقات، فقالت امرأة: "يا لعمق كلماته!" وقال رجل: "يا لجنون هذا الرجل! أربعة أشهر وهو يفتّش في الفراغ". لكن رائد لم يسمع شيئًا من ذلك؛ كان مشغولًا بسؤال واحد ينبض في رأسه كأنه قلب ثانٍ: كيف عرف؟ --- لم يكن السؤال كيف قبضوا على المجرم؛ فهذا الجزء مفهوم: الشرطة، والمحاكم، والقانون. لكن كيف، على وجه التحديد، رأى نادر الخطيب ما لم يره المحقّقون الأربعة الذين سبقوه طوال أربعة أشهر كاملة؟ ماذا رأى هو ولم يروا؟ أين نظر حين توقّف الجميع عن النظر؟ ذلك السؤال لم يخرج من رأس رائد تلك الليلة، ولا في الليلة التي تلتها. --- بعد انتهاء التقرير وانصراف الجيران، بقي رائد في مكانه، بينما كانت أمه ترفع الأكواب، وكان أبوه يطوي جريدته. كان التلفاز قد انتقل إلى برنامج آخر، لكنه لم يعد يراه. قالت أمه وهي تمر من أمامه: "رائد، حان وقت النوم". فأومأ برأسه من دون أن يتحرك. وبعد لحظة قالت وقد توقفت تنظر إليه: "ما بك؟" سألها: "كيف يعرف الإنسان أنه ينظر في المكان الخطأ؟" صمتت قليلًا، ثم ابتسمت ابتسامة من لا يعرف الجواب، لكنه أحبّ السؤال، وقالت: "اسأل أباك". لم يسأل أباه؛ لأنه كان يعرف أن الجواب لن يأتيه من أحد، فهذا النوع من الأسئلة يجب أن يجد جوابه بنفسه. --- لم يكن رائد طفلًا صعبًا؛ كان هادئًا، بل أهدأ مما ينبغي، على حدّ قول معلّمه في السنة الثالثة. وهادئًا على نحو يثير القلق قليلًا، على حدّ قول عمته لأمه مرة وهي تظن أنه لا يسمع. لكن رائد كان يسمع دائمًا، وتلك هي المشكلة، كما قال أبوه ذات يوم بنبرة عالقة بين المزاح والجدية: "هذا الولد يسمع ما لا يُقال". لم يكن رائد يعدّ ذلك موهبة، بل كان يتعجب فقط كيف يمكن للناس ألّا يسمعوا. في المدرسة، حين كان معلّم الرياضيات يشرح ثم يستدير ليكتب على السبورة، كان رائد يلاحظ أن نبرته تتغير قليلًا حين يكتب أرقام التمارين التي لا يحبها، كأنه يزفر من غير أن يزفر. وحين سأله يومًا: "أيَّ الفروع تفضّل؟" أجاب المعلّم بثقة: "الجبر". لكن رائد كان يعرف منذ زمن أن الجواب الحقيقي هو الهندسة. لم يقل شيئًا، فقط سجّل الملاحظة في مكان ما داخله، في ذلك الرفّ الخفي الذي لا يعرف أحد بوجوده. كان يحفظ وجوه الناس، لا عن قصد، بل على سجيته. ويحفظ تعابيرهم حين يقولون شيئًا ويقصدون آخر. وحين كان يسألونه لاحقًا: "من أين عرفت؟" كان يجيب: "لا أعرف، بدا الأمر كذلك". لكنه كان يعرف؛ كان يعرف دائمًا. --- في اليوم التالي لعرض التقرير، ضاع مفتاح دراجة عمه. كان الجميع في فناء البيت الكبير حين اكتشف عمه الأمر. فتّش جيوبه ثلاث مرات، ثم نظر إلى الطاولة، ثم قلب حقيبته. قالت زوجته: "لا بد أنك تركته في البيت". فقال هو: "لا، أحضرته معي؛ كان في يدي حين دخلنا". ثم نظر إلى الأطفال بتلك الطريقة التي ينظر بها الكبار حين يبحثون عن مذنب جاهز: "من لمس الدراجة؟" صمت الأطفال بالطريقة التي يصمت بها الأطفال؛ أي بطريقة تجعل الجميع يبدو مذنبًا. كان رائد يجلس على الدرج منذ دقائق، ولم يكن يراقب الأمر بنية التحقيق. فقط، حين سمع ضجة عمه، عاد إليه شيء رآه منذ دخولهم، ولم يعرف لماذا احتفظ به ذهنه: كان عمه، حين دخل من الباب الخارجي، يضع يده اليمنى في جيبه، ثم خطا نحو الطاولة، وأخرج يده، ووضع شيئًا ما إلى جوار إبريق الشاي، ثم ذهب ليحيّي الجميع. ذلك الشيء الذي وضعه لم يعد على الطاولة. ولم يكن هناك سوى شخص واحد جلس قرب تلك الطاولة بعد ذلك: ابن خالته الصغير ذو الأعوام الستة، الذي كان يجلس الآن بهدوء مريب على الأرض يعبث بطرف حذائه. قام رائد، ومشى إليه، وجلس بجانبه ببساطة. "ما الذي في جيبك؟" نظر إليه الطفل الصغير بعينين واسعتين: "لا شيء". قال رائد: "أرِني". تردّد الطفل، ثم أخرج كفّه ببطء. كان المفتاح فيها، صغيرًا ولامعًا. لم يقل رائد شيئًا، بل أخذه بهدوء ومشى نحو عمه. --- نظر إليه عمه بدهشة حقيقية وقال: "من أين أتيت به؟" أجاب رائد: "كان على الطاولة، فأخذه أحد". لم يكمل، ولم يشر إلى الطفل؛ لأنه لم يكن يريد أن يُعاقَب أحد، بل كان يريد فقط أن يُعثر على المفتاح. نظرت إليه أمه من بعيد بتلك النظرة التي لم يكن يجيد تفسيرها تمامًا: شيء بين الفخر والقلق. قال عمه وهو يربّت على كتفه: "أحسنت يا رائد". لكن ما بقي في رأس رائد لم يكن إطراء عمه، بل شيء أهدأ وأعمق: شعوره حين لاحظ، ثم حين ربط، ثم حين وصل. تلك اللحظات الثلاث التي انصهرت في لحظة واحدة؛ ذلك المسار من الملاحظة إلى الحقيقة. هكذا إذن يكون الشعور. --- في تلك الليلة، أخرج رائد دفترًا صغيرًا كان يستخدمه للرسم أحيانًا. مرّر بصره على صفحاته، ثم فتحه عند أول صفحة بيضاء، وكتب في أعلاها بخطّ طفل يحاول أن يكون واضحًا: "الأشياء لا تختفي؛ نحن فقط ننظر في المكان الخطأ". ثم توقّف. نظر إلى الجملة، وتذكّر أنها ليست جملته، بل هي جملة نادر الخطيب التي قالها في التلفاز. لكنه لم يمحها؛ لأنه شعر أنها صارت، منذ تلك اللحظة، جملته أيضًا. وكتب تحتها سطرًا واحدًا بخطّه الصغير: "كيف يرى الإنسان ما لا يراه الجميع؟" ثم أغلق الدفتر ووضعه تحت الوسادة لا في الدرج؛ لأن الدرج بعيد، ولأنه أراد لهذا السؤال أن يبقى قريبًا منه. أطفأ المصباح، وفي الظلام، قبل أن يأتيه النوم، خطر له شيء لم يستطع أن يصوغه جيدًا وقتها، لكنه ظلّ معه طويلًا: أن نادر الخطيب لم يكن يرى الجريمة فقط، بل كان يرى ما قبل الجريمة، وأن هذا الفارق الصغير هو كل شيء. --- × × × --- وبعد ستة عشر عامًا، دخل رائد مقرّ التدريب للمرة الأولى، وفي حقيبته دفتر صغير. ليس الدفتر نفسه، لكن فيه الجملة نفسها بخطّه هو هذه المرة، خطًّا كبيرًا، وبحبر أزرق بدلًا من قلم رصاص طفولي. وفي الصفحة الأولى سطران فقط: "الأشياء لا تختفي؛ نحن فقط ننظر في المكان الخطأ". "كيف يرى الإنسان ما لا يراه الجميع؟" السؤال ما زال بلا جواب، لكنه صار يعرف أنه الآن في المكان الذي قد يجد فيه الجواب. --- [نهاية الجزء الأول] ---