حكاياتي

الفصل 1: شرارة البداية

الجزء 2
### الجزء الثاني: أول يوم --- لم يكن المبنى يحاول إبهار أحد؛ كان هذا أول ما لاحظه رائد حين وقف أمامه. لا واجهة زجاجية تعكس السماء، ولا لافتة ضخمة تعلن عن نفسها، ولا شيء يهمس لمن يدخله: أنت في مكان مهم. فقط جدران رمادية بأبعاد مدروسة، ونوافذ ضيقة كأنها لم تُصمَّم للإطلالة بل للمراقبة، وباب حديدي ثقيل يوحي بأنه لا يُفتح إلا لمن يستحق. أحبّ رائد ذلك؛ فالأماكن التي تتظاهر بالأهمية تخفي فراغًا في العادة، أما تلك التي لا تكترث لمظهرها، فغالبًا لأن ما بداخلها يغني عن أي زينة. خطا نحو البوابة. كاميرتان في الأعلى تتقاطع زاويتا تغطيتهما بحيث لا تتركان نقطة عمياء، وحارس بزي رسمي لا ترتفع عيناه تمامًا إلا حين تبلغان مستوى الوجه، كأنه اعتاد قراءة الناس من أسفل إلى أعلى. وقف رائد أمامه، وأخرج بطاقته قبل أن يُطلب منه ذلك. رفع الحارس عينيه أخيرًا، ونظر إلى الصورة ثم إلى الوجه، ثم إلى الصورة مرة أخرى، بالطريقة التي يفعلها المحترفون لا المتشككون. سأله: "رائد؟" فأجاب: "نعم". أعاد إليه البطاقة وقال: "الطابق الثاني، إلى اليسار". لم يضف شيئًا، ولم يرحّب. فدخل رائد. --- كان الممر الداخلي أضيق مما توقّع، وأكثر هدوءًا بكثير. ولم يكن هذا الهدوء مريحًا، بل من ذلك النوع الذي يشي بأن كل شيء يحدث في مكان آخر؛ أصوات خافتة من وراء أبواب موصدة، وخطوات على درج بعيد، وطنين خفيف لأجهزة لا يعرف ماهيتها. كانت الجدران نظيفة تمامًا لكنها خالية من كل شيء؛ لا صور، ولا لوحات، ولا أرقام طوارئ معلّقة. كان كل ما يمكن تعليقه منزوعًا منها، كأن ما يجب أن يُحفَظ محفوظ في الأذهان لا على الجدران. تذكّر رائد مقولة سمعها ذات مرة، تفيد بأن المؤسسات الأمنية لا تكتب على جدرانها ما لا تريد لأحد أن يقرأه. وقتها ظنّ الأمر مبالغة، أما الآن، فقد أدرك حقيقته. --- كان في قاعة التجمّع ثمانية عشر متدرّبًا. أحصاهم رائد من عند الباب قبل أن يجلس، لا لأنه أراد عدّهم تحديدًا، بل لأن العدّ هو أول ما تفعله العين الجادّة في أي مكان جديد. مقاعد مرتبة في صفوف متوازية، وطاولة واحدة في الأمام، وشاشة بيضاء خاملة، وإضاءة بيضاء باردة تجعل الوجوه تبدو أكثر يقظة مما هي عليه في الحقيقة. جلس في المنتصف؛ لا في الأمام لأن من يجلس في الأمام يريد أن يُرى، ولا في الخلف لأن من يجلس في الخلف يريد أن يختبئ، أما المنتصف، فيمنحك الزاوية الأفضل. نظر حوله؛ إلى يساره شاب يرتّب أقلامه وفق تسلسل لوني لا يُعرف له سبب، وإلى يمينه امرأة في الثلاثين تقرأ شيئًا على هاتفها بسرعة من يحفظ قبل الامتحان، وفي الصف الأمامي رجل ضخم البنية يجلس بكتفين منتفختين كأنه يحاول أن يملأ المقعد بأكثر من حجمه، وفي الركن متدرّب يبتسم لكل من يمر ابتسامةً من النوع الذي يكلّف صاحبها جهدًا. أخرج رائد دفتره الصغير وكتب بسرعة: "التوتر يتنكّر بأشكال مختلفة: الترتيب، والحفظ، والانتفاخ، والابتسام". ثم أغلق الدفتر. --- جاءت سيرين بعد دقيقتين من جلوسه. لم تكن متأخرة؛ فالوقت لم يكن قد بدأ بعد، لكنها لم تأتِ مبكرًا أيضًا كمن يريد أن يستعرض التزامه. جاءت في الوقت الذي يختاره من لا يحتاج إلى إثبات شيء. لاحظها رائد لسببين: الأول أنها لم تنظر إلى المقاعد أولًا كما يفعل معظم الناس حين يدخلون غرفة غير مألوفة، بل نظرت أولًا إلى الشاشة الخاملة، ثم إلى الباب المؤدي إلى الجهة الأخرى من القاعة، ثم إلى وجوه الناس، كأنها تبدأ بالمكان ثم تنتهي بالأشخاص لا العكس. والثاني أنها حين جلست، لم تضع حقيبتها على الطاولة ولا أمام قدميها، بل وضعتها إلى جانبها على الأرض في موضع لا يعيق الحركة. كان ذلك تفصيلًا صغيرًا جدًا، لكنه يعني أنها لم تفكر في الراحة، بل فيما قد يأتي بعدها. ثم رفعت عينيها وأخذت تتفحّص المكان بالطريقة التي يقرأ بها بعض الناس نصًّا يدركون أن بين سطوره شيئًا مخفيًّا. هكذا وصف رائد لاحقًا ما رآه بالضبط: "لم تنظر إلى القاعة؛ لقد قرأتها". --- لم تنتبه إليه في تلك اللحظة، أو هكذا بدا. لكن حين أعاد رائد رأسه إلى الأمام، شعر بذلك الإحساس الذي يأتيك حين توقن أن أحدهم يراقبك من دون أن تستطيع إثبات ذلك. لم يلتفت مرة أخرى، بل اكتفى بتسجيل الإحساس. --- دخل المشرف في الدقيقة الثامنة تمامًا. كان رجلًا في الخمسين، يبدو أصغر من عمره لأن كل حركاته محسوبة؛ لا يضيّع كلمة، ولا يكرّر جملة، ولا يملأ الصمت بالكلام كما يفعل من يخشى الصمت. وقف أمامهم من غير أن يجلس، ونظر إليهم لثوانٍ، نظرة من يُحصي من غير أن يُحصي. ثم قال: "أنتم هنا لأن شخصًا ما قرر أن تكونوا هنا، وهذا لا يعني شيئًا بعد". توقّف، لا لأنه كان ينتظر ردّ فعلهم، بل لأنه أراد للجملة أن تستقر في أذهانهم. ثم أردف: "بعد اثني عشر أسبوعًا، سيقرر هذا المكان بنفسه من يستمر. لا أنا، ولا أحد غيري". ساد القاعة صمت تام، فأضاف: "اليوم، لدينا تمرين واحد بسيط، سنتعرّف به إلى طريقة تفكير كل واحد منكم". أشار إلى الشاشة، فأضاءت بصورة واحدة: غرفة مكتب، مكتب مبعثر، كرسي مقلوب، نافذة مفتوحة، وكوب قهوة موضوع على حافة المكتب الأقرب إلى النافذة. وقال: "ماذا حدث هنا؟ أمامكم دقيقة واحدة. لا يتحدث أحدكم إلى الآخر". --- نظر رائد إلى الصورة ولم يبدأ من الأشياء البارزة؛ فالمكتب المبعثر واضح ولا يحتاج إلى عين حادة، والكرسي المقلوب مقصود أصلًا ليجذب الانتباه، والنافذة المفتوحة سهلة التفسير، لذلك بدأ من الأطراف. الكوب موضوع على الحافة الأقرب إلى النافذة؛ أي إن أحدهم حمله إلى هناك، وهذا يعني أن الشخص كان واقفًا عند النافذة وهو يشرب لا جالسًا إلى مكتبه. وحين يقف أحدهم عند النافذة ممسكًا بكوبه، فالأغلب أنه كان ينتظر أو يراقب لا يعمل بهدوء. أما الورق المبعثر على الأرض، فقد سقط من الجهة اليسرى للمكتب، وهذا يعني أن من مرّ بجانبه كان يتحرك نحو الباب لا نحو النافذة. شخصان إذن، أو شخص واحد تحرّك مرتين. والكرسي المقلوب لم ينقلب مصادفة، لأن ساقيه الخلفيتين وحدهما تلامسان الأرض، وهذا لا يحدث عادة حين يسقط الكرسي على نحو طبيعي، بل حين يُدفَع إلى الخلف بعجلة، أي إن صاحبه نهض فجأة. --- قال المشرف: "انتهى الوقت. من لديه استنتاج؟" ساد صمت قصير، ثم ارتفعت يد من الجهة الأمامية؛ كانت سيرين. قالت: "شخصان على الأقل. الأول كان جالسًا ثم نهض على عجل والدليل الكرسي. والثاني مرّ من الجهة اليسرى للمكتب لا من أمامه، لأن اتجاه سقوط الأوراق يشير إلى ذلك". لم يومئ المشرف ولم ينفِ، قال فقط: "من أيضًا؟" رفع رائد يده وقال: "أتفق معها في وجود شخصين، لكن الكوب يضيف شيئًا آخر؛ الشخص الأول لم يكن يعمل بهدوء، بل كان ينتظر. والوقوف عند النافذة لا الجلوس على الكرسي، يعني أنه لم يكن يسيطر على الوضع، كان يردّ على شيء قادم لا يبدأ شيئًا". ساد صمت قصير في القاعة، ثم قال المشرف: "هذا أفضل من معظم ما أسمعه عادةً في اليوم الأول". ولم يحدّد أيهما يقصد. --- بعد انتهاء التمرين، وحين وقف بعض المتدرّبين يتحركون بين المقاعد، التفتت سيرين نحو رائد بحركة طبيعية لا تكلّف فيها وقالت: "ملاحظتك عن الكوب كانت جيدة". قالتها بنبرة لا تحمل إطراءً صريحًا، بل مجرد تقييم. فأجابها: "واستنتاجك عن الشخصين أيضًا". نظرت إليه لثانية واحدة بالضبط؛ ثانية تكفي لتقول إنها سمعته، وتكفي أيضًا لتقول إنها لم تقرر بعد ما الذي تظنه فيه. وقالت: "الكوب يكشف الحالة النفسية، والكرسي يكشف الحركة. أنت بدأت من الأول". فقال: "وأنتِ بدأتِ من الأوضح". لم تغضب، بل ابتسمت ابتسامة خفيفة كمن لاحظ شيئًا مثيرًا للاهتمام لا شيئًا مزعجًا، ثم قالت: "سنرى"، وانصرفت. --- في آخر اليوم، حين فرغت القاعة وانصرف المتدرّبون بخطوات مختلفة؛ بعضهم منهك، وبعضهم منتفخٌ بإحساس زائف بالإنجاز، جلس رائد لحظة قبل أن يقوم. فتح دفتره، وفي الصفحة الأولى طالَع الجملتين القديمتين: "الأشياء لا تختفي؛ نحن فقط ننظر في المكان الخطأ". "كيف يرى الإنسان ما لا يراه الجميع؟" وكتب تحتهما مباشرة، بحبر ذلك اليوم، سطرًا جديدًا: "المكان لا يعرفك، وهذا جيد. من يريد أن يُعرَف قبل أن يثبت شيئًا لا يستحق أن يُعرَف". توقّف قليلًا ثم أضاف: "المتدرّبة في الصف الثاني: تبدأ من الأثر المادي لا من الدافع النفسي. سريعة، دقيقة، ولا تسأل لتتأكد، بل لتؤكد ما وصلت إليه سلفًا. هذا يمنحها سرعة، لكنه قد يكلّفها أحيانًا". أغلق الدفتر، وقام حاملًا حقيبته، ومشى نحو الباب. وفي الممر الطويل، رأى سيرين تسير في الاتجاه المعاكس نحو مخرج آخر على الأرجح. لم تره، أو لم تُظهر أنها رأته. لم يتوقف، بل واصل المشي. لكنه حين خرج من المبنى إلى الهواء البارد، وقف لثانية واحدة. لم يكن المكان كما تخيّله؛ لم يكن أسوأ ولا أفضل، بل كان أكثر واقعية، وأكثر ثقلًا، وأكثر صدقًا في برودته من أي شيء تصوّره. وهذا بالضبط ما كان يريده. تنفّس ببطء، ثم مضى. --- × × × --- في دفتره تلك الليلة، بعد أن وضعه على المكتب لا تحت الوسادة كما كان يفعل صغيرًا، فتحه على آخر ما كتب، وأضاف جملة أخيرة: "السؤال ما زال هو نفسه: كيف يرى الإنسان ما لا يراه الجميع؟ لكن اليوم، ولأول مرة، بدا هذا السؤال ممكن الجواب". --- [نهاية الجزء الثاني] ---