الجزء 10
الفصل 1: شرارة البداية
الجزء 10
الفصل 1: شرارة البداية
الجزء 10
### الجزء العاشر: الباب الذي لا يفتح
---
في الصباح، لاحظ رائد أن الموظف الذي أوقفهما في الممر كان في القاعة. لم يكن جزءًا من الحصة؛ وقف عند الباب الخلفي بضع دقائق، ونظر إلى المتدرّبين بالطريقة التي تبدو عشوائية لمن لا يعرف كيف يميّز النظرة العشوائية من غيرها، ثم خرج. لم يُظهر رائد أي رد فعل، بل كتب في دفتره سطرًا يبدو كملاحظة تدريبية، لكن ما كتبه كان: "جاء لينظر". وبعد الحصة، وبينما كانا يرتّبان أوراقهما، قالت سيرين بصوت عادي تمامًا كأنها تتكلم عن جدول اليوم: "اليوم لا نسأل أكثر مما يلزم". قال: "أعرف". قالت: "ونتحرك فقط إذا كان لدينا سبب يبدو صحيحًا من الخارج". قال: "لدينا واحد". نظرت إليه، فأردف: "المساعد طلب إيصال ظرف تدريبي إلى الإدارة العامة بعد الظهر، قرأت ذلك في لوحة الإشعارات". سألته: "وهل كلّف أحدًا؟" أجاب: "لم يكلّف أحدًا بعد". فهمت ما يرمي إليه وقالت: "إذًا سنتطوع". قال: "نعم، إذا انتهزنا اللحظة قبل أن يكلّف غيرنا".
---
في استراحة ما بعد الظهر، تطوع رائد للمهمة قبل أن يسأل المساعد، وقال إن لديه هو وسيرين وقتًا فارغًا بين الحصتين. أومأ المساعد، وأعطاه الظرف وعنوانًا داخليًا: "الإدارة العامة، الجناح الغربي، الطابق الأرضي". الجناح الغربي. نظر رائد إلى الورقة، ثم إلى سيرين نظرة لا تقول شيئًا لمن يراها من الخارج. لكن سيرين فهمت أيضًا: الجناح الغربي هو الجهة الوحيدة في المبنى التي لم يمرّا بها حتى الآن، الجهة التي لم تظهر في أي خريطة وزّعها التدريب، والجهة التي كان سجل البريد القديم يشير إلى أن الرسائل الموجهة إلى حسام نجيب كانت تمر عبرها.
---
بدأ الجناح الغربي بممر يبدو عاديًا تمامًا؛ الجدران نفسها، الإضاءة البيضاء نفسها، والبلاط نفسه. لكن بعد المنعطف الأول تغيّر شيء يصعب وصفه بدقة؛ لم يكن الهدوء هنا هدوء مكان فارغ، بل هدوء مكان اعتاد أن يكون هادئًا، والفرق محسوس لمن تدرّب طويلًا على التقاط الفروق الصغيرة. كانت الأبواب أقل، والمسافات بينها أطول، وفي الزاوية العلوية اليسرى كاميرا مراقبة بزاوية تغطية أوسع من المعتاد. أما الأرقام على الأبواب فلم تكن متسلسلة؛ قفزت من 14 إلى 19، ثم إلى 23. وعلى أحد الأبواب لم يكن هناك رقم أصلًا، بل لوحة ممغنطة صغيرة فارغة، كأن ما كان عليها قد أُزيل. لاحظ رائد كل ذلك، ولم يُبطئ خطاه كي لا يُلحظ عليه أنه يلاحظ.
---
وجدا مكتب الإدارة العامة بعد المنعطف الثاني كما كُتب في العنوان. تسلّمت موظفة شابة الظرف، ووقّعت على الاستلام، ثم أعادت النسخة إلى رائد. لم تستغرق العملية أكثر من دقيقتين. وحين انصرفا، قال رائد بنبرة طبيعية: "هل توجد هنا نقطة بريد داخلي؟ أحتاج إلى إرسال ورقة إلى قسم التوثيق". قالت الموظفة من غير أن ترفع عينيها: "في آخر الممر، على اليسار".
---
سارا نحو آخر الممر. وعلى اليسار كان هناك باب نصف مفتوح، وخلفه مكتب صغير تتوزع على جداره صناديق بريد داخلي مرقّمة. لكن ما استوقف رائد لم يكن المكتب، بل ما رآه من خلاله. في الجدار الخلفي لغرفة نقطة البريد كان هناك باب آخر؛ باب ثقيل يختلف لونه عن بقية الأبواب، ولا يحمل اسمًا. عليه فقط شريط ممغنط أفقي في المنتصف، ومصباح صغير في الأعلى، لونه الآن أحمر خافت. وإلى جانب الباب، على الجدار، لُوحظت لوحة صغيرة تحمل أرقام امتدادات داخلية. قائمة قصيرة من أربعة أرقام فقط، وكان آخرها: 2714. لا اسم إلى جواره، فقط الرقم.
---
في تلك اللحظة، وقبل أن يتكلم أيٌّ منهما، سُمع صوت من داخل نقطة البريد: "نعم؟" خرج رجل من خلف الطاولة الجانبية في الخمسين تقريبًا، بملابس لا تحمل زيًّا موحدًا، وعينين لا تبدآن بالترحيب. نظر إلى رائد وسيرين بالنمط نفسه الذي ينظر به من اعتاد تقييم الناس قبل استقبالهم. سأل: "من أين؟" قالت سيرين بنبرة التدريب الاعتيادية: "من قسم التدريب، أحتاج إلى إرسال ورقة داخلية إلى التوثيق". كرر الرجل باستفهام: "التوثيق؟" ثم نظر إليهما مرة ثانية: "مباشرة أم عبر المركزي؟" قالت: "مباشرة". سأل: "اسم القسم المُرسِل؟" أجابت: "برنامج التدريب المتقدم، المشرف حمدي". أمسك الرجل ورقة صغيرة ووضعها على المكتب قائلًا: "اكتبي هنا". كتبت سيرين بالقدر الكافي من البطء. وفي هذه الثواني، لم يتحرك رائد لكن عينيه تحركتا؛ كانت صناديق البريد على الجدار مرتبة بأرقام، وفي الصندوق الأخير على اليمين بطاقة بيضاء صغيرة خلف القضيب المعدني الرفيع تحمل حرفين: ح.ن. الحرفان نفساهما اللذان بقيا في هامش م.خ - 05. والصندوق لم يكن فارغًا.
---
أعادت سيرين الورقة، فأخذها الرجل ونظر إليها ثم سأل: "متى تريدين الإيصال؟" قالت: "غير ضروري، شكرًا". استدارا للخروج، فقال الرجل من خلفهما بنبرة لا ترتفع ولا تنخفض: "هذا الجناح غير مخصص لجولات التدريب". لم يسرعا، ولم يتوقفا. قالت سيرين وهي تمشي: "أعرف، آسفة على الإزعاج".
---
حين وصلا إلى المنعطف الأول، قبل العودة إلى الممر الرئيسي، توقف رائد لثانية. لم يلتفت، لكن حواسه كانت متيقظة. وفي الصمت الذي ملأ الجناح خلفهما، جاء من الجهة نفسها التي خرجا منها صوت هاتف داخلي يرن. رنّة واحدة فقط، ثم ساد الصمت. لم يعرف الرقم، لكنه عرف المكان، ثم واصل مشيه.
---
في الممر الرئيسي، حين عاد كل شيء حولهما إلى عادته، أبطآ خطاهما على نحو طبيعي. قالت سيرين: "الباب لم يكن إداريًا فقط". قال: "ولا الامتداد معطّلًا بالكامل". قالت: "الصندوق". قال: "رأيته". قالت: "ح.ن". قال: "نعم". صمتا ومضيا خطوتين، ثم قال رائد: "إذا كان صندوق بريده ما يزال هناك، فإما أنه يمر من هذا الجناح أحيانًا، أو أن أحدًا يتسلّم بريده نيابة عنه". قالت: "وكلا الاحتمالين يعني أن الاسم ما زال حيًّا في هذا المكان". قال: "بطريقة ما". توقفت سيرين، ونظرت إلى الجهة التي جاءا منها، ثم قالت بنبرة لم تكن سؤالًا: "الرنّة". قال: "نعم". قالت: "من الجناح نفسه". قال: "ومن الجهة نفسها".
---
جلسا في القاعة قبل الحصة الأخيرة بدقائق. لم يتكلما؛ فتح رائد دفتره وكتب، ونظرت سيرين إلى الأمام. دخل كريم ووضع حقيبته، وسأل بصوت حيّ: "أين كنتما؟ التمرين بعد قليل". قال رائد: "في مهمة بريدية". قال كريم بملل: "ممل". ثم ابتسم وجلس.
---
بعد انتهاء آخر حصة في اليوم، وبينما انصرف المتدرّبون وبقيت الأضواء وحدها في القاعة الفارغة، مرّ المشرف أمام الباب. توقف، ونظر إلى الداخل فرأى رائد يرتّب أوراقه. سأله: "هل أنهيتما المهمة البريدية؟" أجاب رائد: "نعم، من دون مشكلة". رمقه المشرف بنظرة ثانية، ثم قال: "هذا ليس من اختصاصكما". قالها بنبرة لا تحمل تهديدًا صريحًا، لكنها لا تحمل ترحيبًا أيضًا، ثم مضى.
---
في الليل، كتب رائد في دفتره، وكان ضغطه على القلم أثقل من المعتاد: "الباب: ثقيل، بلا اسم، بمصباح أحمر وشريط ممغنط. القسم الداخلي على الأرجح، أو ما يؤدي إليه مباشرة. الامتداد 2714: موجود في لوحة الجناح، بلا اسم إلى جواره، فقط الرقم. الصندوق: ح.ن. ليس فارغًا، وهذا يعني أن البريد لا يزال يصل، أو أن أحدًا لا يزال يفتحه. الرنّة: رنّة واحدة من الجهة نفسها. لا أعرف الرقم، لكنني أعرف المكان الآن". توقف مليًّا، ثم كتب: "(هذا ليس من اختصاصكما). قالها المشرف. الجملة نفسها التي قيلت في أول يوم عن ملف أرشيفي عادي، وها هي تُقال مرة أخرى عن جناح داخل مبنى التدريب. الجملة نفسها، لكن المعنى الآن أكبر بكثير. الفرق بين المرة الأولى والآن: في المرة الأولى لم أكن أعرف ماذا يوجد خلف الباب، أما الآن فأعرف أن شيئًا ما يوجد، وأن هذا الشيء يرتبط بسلسلة م.خ، وبنادر الخطيب، وبحسام نجيب الذي لم يخرج تمامًا". أغلق الدفتر، ثم فتحه مرة أخيرة وكتب سطرًا واحدًا: "شيء ما انتهى اليوم، لكن ليس كما تنتهي الأشياء. انتهى كما تنتهي الرنّة: في لحظة، وبصمت، وأنت تعرف أن أحدًا ما في الطرف الآخر".
---
× × ×
---
في تلك الليلة، كتبت سيرين في تطبيقها: "الباب موجود. القسم الداخلي ليس فكرة في سجل، بل مكان في المبنى، ببريد، وامتداد، وحارس. ح.ن: الصندوق ليس فارغًا، وهذا يعني أن الاسم لا يزال يصل إلى مكان ما. الرنّة: سمعها رائد، ورأيت على وجهه أنه سمعها. لم يقلها لي فورًا، انتظر حتى ابتعدنا. هذا ليس تكتمًا، بل هو احتراز، وهو صحيح". توقفت، ثم كتبت: "المشرف قال: هذا ليس من اختصاصكما. ولأول مرة حين سمعتها، لم أشعر أنها تحذير عادي، بل شعرت أنها تأكيد؛ تأكيد على أن ما نفعله يلامس شيئًا يستحق أن يُحرس. والشيء الذي يستحق الحراسة، يستحق الوصول. انتهت البداية، وما بعدها لن يشبهها".
---
[نهاية الجزء العاشر]
---
[نهاية الفصل الكبير الأول: شرارة البداية]
---