حكاياتي

الفصل 1: الذي الخرج

الجزء 4
الجزء الرابع: ما على المكتب --- رامز طاهر كان يؤمن بشيء واحد فوق كل شيء: أن الماضي يبقى حيث تضعه. --- هذه ليست فلسفة تعلّمها من كتاب. كانت مهارة عملية صقلها في ثلاثين عامًا من العمل في المباحث. ثلاثون عامًا ترى فيها أشياء لا ينبغي لإنسان أن يراها، وتسمع اعترافات لا ينبغي لإنسان أن يسمعها، وتتخذ قرارات لا ينبغي لإنسان أن يتخذها وحده في غرفة مغلقة. البقاء بخير في هذه المهنة يتطلب موهبة واحدة: أن تضع الأشياء في صناديق. أن تغلق الصناديق. وأن لا تفكر فيما بداخلها. رامز كان الأفضل في هذا. --- الآن كان متقاعدًا منذ ست سنوات. يعيش في بيت بطابق واحد في ضاحية هادئة. حديقة صغيرة يعتني بها في الصباح. زوجة تعرف أن لا تسأل. ابن في مدينة أخرى يتصل كل أسبوعين. حياة رجل وضع كل صناديقه في مكانها وأقفل الباب. --- في صباح اليوم الثاني بعد خروج يونس منصور، استيقظ في السادسة كعادته. شرب قهوته في الحديقة. قرأ الجريدة. لم يشاهد نشرة الأخبار التي غطّت خروج يونس. لم يكن بحاجة. سمع باسمه من زوجته التي سمعته من جارتها. قالت له مساء اليوم الأول وهي تضع العشاء: *"يونس منصور خرج. الرجل الذي كانت له قضية كبيرة قديمًا."* قال: *"أعرف."* أكل. نام. --- في الصباح الثاني، ذهب إلى مكتبه الصغير في الغرفة الجانبية. مكتب من خشب بني داكن. عليه حاسوب لا يستخدمه كثيرًا، وبعض الكتب، وصورة عائلية، وعلبة أقلام. جلس. وفتح الحاسوب. وهنا توقف. --- على يمين لوحة المفاتيح كان هناك مظروف. أبيض. صغير. لا كتابة على الخارج. لم يضعه هو. --- نظر إليه ثلاث ثوانٍ. ثلاثون عامًا في المباحث تعلّمك أن لا تتعامل مع اللامتوقع بالانفعال. الانفعال يكلفك. التروي ينجيك. نظر حوله في الغرفة. النافذة مغلقة. الباب كان موصدًا حين فتحه. لا شيء في مكانه الخطأ. فقط المظروف. --- رفعه. خفيف. فيه شيء واحد يبدو. فتحه ببطء. --- ورقة واحدة مطوية. فتحها. --- لم تكن رسالة. لم تكن تهديدًا. لم تكن اعترافًا. كانت صفحة. صفحة مصوّرة من ملف. استغرق ثانيتين ليعرف أي ملف. الصفحة السابعة والثلاثون من ملف قضية يونس منصور. لكنها لم تكن النسخة الرسمية. في أسفلها، في مكان كان فارغًا في النسخة الرسمية، كانت هناك جملتان بخط واضح مقروء: *"الزاوية تستبعد كليًا أن يكون الجاني أمام الضحية. تم إبلاغ المحقق المسؤول شفهيًا. طُلب منّي عدم إدراج هذا في التقرير الرسمي."* --- وضع الورقة على المكتب. وقف. ذهب إلى المطبخ. سكب قهوة لم تكن قد أُعدّت بعد. انتظر أمام الغلاية. سمع صوت الماء يغلي. صبّ. عاد. --- الورقة لا تزال هناك. --- جلس. نظر إليها. فكّر. --- فايز منير. هذا الاسم لم يفكر فيه منذ سنوات طويلة. مساعد الطبيب الشرعي الصغير. هادئ. مجتهد. يكتب تقاريره بعناية مفرطة ويسأل أسئلة أكثر مما ينبغي لشخص في موقعه. حين جاء إليه رامز بعد فحص الجثة وقال له ما قاله — بصوت هادئ، بنبرة مهنية، كحقيقة وليس كأمر — توقع أن يقاوم. لكن فايز لم يقاوم. قال فقط: *"حسنًا."* وكتب التقرير الرسمي دون الجملة. واستقال بعد ثلاثة أشهر. --- رامز لم يبحث عنه بعدها. لا لأنه لم يكن مهمًا. بل لأنه كان مهمًا جدًا، ومن الأفضل ترك المهم جدًا في صندوقه. --- لكن الجملة كانت موجودة. كانت موجودة في مكان ما، على ورقة في مكان ما، يملكها شخص ما طوال خمسة عشر عامًا. ولم يستخدمها. حتى الآن. --- لماذا الآن؟ السؤال لم يكن صعبًا. يونس خرج أمس. هذا هو الآن. --- رامز طاهر، ثلاثة وستون عامًا، رجل لم يرتجف يومًا في قاعة محكمة ولم يتلعثم في مواجهة محامٍ يهاجمه، نظر إلى ورقة على مكتبه في غرفته الجانبية الهادئة. وأحسّ بشيء لم يشعر به منذ زمن طويل جدًا. ليس خوفًا بالمعنى المباشر. شيء أدق من الخوف وأكثر منه إزعاجًا: إحساس بأن صندوقًا أُغلق بعناية، ووُضع في مكان بعيد، وظننت أنه لن يُفتح أبدًا. وها هو مفتوح على مكتبك وأنت لا تعرف كيف. --- قلّب الورقة. في الجهة الخلفية، بالقلم الرصاص، رقم واحد: **١٦** --- نظر إليه. رقم وحده. لا شيء يشرحه. لا سياق. شيء في ذهنه — في الجزء القديم الذي يعمل تلقائيًا — تحرّك. الزنزانة رقم ست عشرة. كانت زنزانة يونس منصور في سجن الحرمل. كل من عمل في القضية كان يعرف هذا الرقم لأنه ذُكر في تقرير أحوال السجن الذي أُدرج في الملف لاحقًا. زنزانة رقم ست عشرة. طابق أول. جناح الجنح الكبرى. --- وضع الورقة. وقف مجددًا. هذه المرة ذهب إلى غرفة النوم وفتح الخزانة وأخرج من أقصى الأعلى علبة كرتونية صفراء. العلبة التي لم يفتحها منذ تقاعده. --- داخلها: أوراق. بعض الصور القديمة. شريط تسجيل. وملف رفيع بغلاف أزرق. الملف الأزرق. --- أخذه إلى المكتب. جلس. فتحه. --- ليس نسخة رسمية من ملف القضية. كان ما جمعه هو شخصيًا. ملاحظاته. تقاريره اليدوية. المسودات التي لم تُحوَّل إلى وثائق رسمية. وبينها، في الصفحة الثانية عشرة من ملاحظاته الخاصة، كتابة بخطه: *"الشاهد كمال درويش: غير متأكد من الوقت. يقول 'حوالي العاشرة'. ضبطنا الوقت في التقرير على التاسعة وسبع عشرة دقيقة لأن هذا هو الوقت الوحيد المنسجم مع رواية الجريمة."* --- قرأ الجملة مرتين. "ضبطنا الوقت." كلمة جميلة. "ضبطنا" تعني أننا صنعنا الوقت. "الوقت الوحيد المنسجم مع رواية الجريمة" يعني أن الرواية كانت موجودة قبل أن تكتمل الأدلة. --- أغلق الملف الأزرق. جلس في صمت. الغرفة الصغيرة. الضوء الصباحي يدخل من النافذة. صوت الحديقة الخارجي. كل شيء طبيعي. وهو يجلس مع شيء ليس طبيعيًا. --- رامز طاهر لم يكن وحشًا. هذا الشيء المهم الذي لا يفهمه الناس. لم يكن رجلًا يبحث عن بريء ليسجنه. كان محققًا يحمل ضغطًا كبيرًا في قضية مرفوعة ومرأى من الجميع، عائلة ضحية تبكي في كل نشرة أخبار، ورأي عام يريد إجابة، ومسؤولون يريدون ملفًا مغلقًا، وأمامه مشتبه به في المكان الخطأ في الوقت الخطأ. والأدلة كانت... ناقصة. كانت ناقصة. لكنها كانت موجودة. وهناك فرق — أقنع نفسه به ثلاثين عامًا — بين الكذب والانتقاء. لم يكذب. انتقى. انتقى ما يدعم الرواية التي كانت الأقرب إلى المنطق، وأبعد ما يعقّدها. هذا ليس كذبًا. هذا... تبسيط. --- لكن الجملة التي كتبها بيده كانت لا تزال أمامه: *"ضبطنا الوقت."* --- في الخمسة عشر عامًا الماضية لم يفكر كثيرًا في يونس منصور. أو بالأصح: فكّر فيه بالطريقة التي يفكر بها في كل المتهمين الذين عمل على قضاياهم. كأرقام. كملفات. كنقاط في جدول كبير اسمه المسيرة المهنية. يونس منصور: قضية ٢٧. الحكم: خمسة عشر عامًا. الملف: مغلق. --- لكن يونس منصور لم يكن رقمًا. كان إنسانًا في زنزانة رقم ست عشرة. يعدّ الثواني. خمسة عشر عامًا من الثواني. --- رنّ هاتفه. رقم لا يعرفه. --- تردد. ثلاث رنات. رد. صمت. ثم صوت خلفية خافت. عرفه فورًا. أصوات محكمة. إجراءات. ثم صوته هو. صوته قبل خمسة عشر عامًا. *"المتهم كان في موقع الجريمة. الأدلة متسقة. الشاهد موثوق. القضية واضحة..."* --- أغلق الهاتف. وضعه على المكتب. لم تكن يده ترتجف. لكن ذهنه يعمل بسرعة مختلفة عن المعتادة. --- التسجيل. محاكمة يونس منصور. جلسات مسجّلة. لكن هذا المقطع بالذات — مقطع مرافعته هو — لم يكن في السجل الرسمي. في ذلك اليوم، قبل خمسة عشر عامًا، حين تكلّم رامز في المحكمة، كانت منظومة التسجيل معطّلة للدقائق التي تكلم فيها. عطل موثّق. في الأوراق. معتمد. لا أحد سجّل كلامه تلك الدقائق. لا أحد. --- وقف. ذهب إلى النافذة. الحديقة الصغيرة. الشجرة التي يعتني بها. السماء الصافية. وسؤال لن يتركه: كيف يملك أحد تسجيلًا لكلام لم يُسجَّل؟ --- الجواب المنطقي الوحيد: كان هناك شخص في تلك القاعة يوم المحاكمة. شخص يحمل جهاز تسجيل خاصًا. شخص كان يعرف أن التسجيل الرسمي معطّل. أو شخص جعله معطّلًا. --- عاد إلى المكتب. جلس. نظر إلى الورقة. وإلى الرقم في أسفلها. **١٦** --- ثلاثون عامًا في المباحث. يعرف كيف تعمل هذه الأشياء. هذا ليس تهديدًا. التهديد يقول: *سأفعل بك كذا.* هذا شيء آخر. هذا رسالة مفادها: *أنا أعرف. كنت أعرف دائمًا. وأنت الآن تعرف أنني أعرف.* --- الفرق بين التهديد وهذا: التهديد يريد شيئًا منك. هذا لا يريد شيئًا. هذا فقط يريدك أن تعيش مع المعرفة. --- وهذا أقسى. --- فتح الحاسوب. بحث عن رقم قديم في قائمة جهات اتصال لم يمسها منذ سنوات. المحقق عمر زياد. رقم إداري قديم. ربما تغيّر. --- توقف قبل الاتصال. --- ماذا سيقول؟ *"مرحبًا. أنا رامز طاهر. وجدت ورقة على مكتبي فيها شيء كان يجب أن لا يوجد. وتلقيت تسجيلًا لكلام لم يُسجَّل. وأعتقد أن يونس منصور يعلم أشياء لا يجب أن يعلمها. وأعتقد أن الملف الذي أغلقته قبل خمسة عشر عامًا لم يكن مغلقًا. كان ينتظر."* --- لن يقول شيئًا من هذا. --- أغلق الحاسوب. نظر إلى الغرفة. الصور. الكتب. علبة الأقلام. الصورة العائلية. حياة بنيتها على صناديق موصدة. والصناديق بدأت تُفتح. ليس بعنف. ليس بضجيج. بهدوء مدروس. واحدًا واحدًا. --- أخذ الورقة. نظر إليها مرة أخيرة. ثم طواها. ووضعها في جيبه. --- لم يتخلص منها. لم يحتفظ بها لأنه يخطط لشيء. احتفظ بها لأن شيئًا في داخله — الجزء المتبقي من المحقق القديم — قال له: *الأدلة لا تُتلَف.* *حتى حين تكون الأدلة ضدك.* --- خرج من الغرفة. مشى في الممر الضيق. إلى الصالون. إلى الحديقة. وقف في الهواء الصباحي. الشجرة. التراب. الريح الخفيفة. --- وفكّر للمرة الأولى منذ خمسة عشر عامًا: *من قتل سلمى رشاد؟* ليس *من أغلقنا عليه الملف؟* ليس *من كان في المكان الخطأ؟* ليس *من ساعدتنا الأدلة على إدانته؟* بل السؤال الأول. السؤال الذي يجب أن يكون الوحيد في كل قضية. *من القاتل فعلًا؟* --- وأدرك، في تلك الحديقة الصغيرة، في صباح بارد هادئ: أنه لا يعرف الجواب. كان يظن أنه يعرف. بنى عليه ثلاثين عامًا. لكنه لا يعرف. --- ودخل البيت. --- في مكتبه، على الجانب الأيسر من لوحة المفاتيح — الجانب الذي لم ينظر إليه حين رأى المظروف — كان هناك شيء آخر. شيء لم يلاحظه أول الأمر. --- صورة صغيرة مطبوعة على ورق عادي. شخص يمشي في شارع. من الخلف. معطف داكن. قامة معروفة. والشارع في الصورة هو الشارع الذي يسكن فيه رامز الآن. والشجرة في الزاوية اليمنى من الصورة هي شجرته. والشخص يقف أمام بيته. --- لا تاريخ على الصورة. لكن في الزاوية اليسرى السفلية، رقم صغير بالقلم الرصاص: **١٦:٠٤** --- الساعة الرابعة وأربع دقائق. --- رامز نظر إلى الساعة على الجدار. الساعة السادسة وأربعون دقيقة صباحًا. --- أمس. الصورة التُقطت أمس الساعة الرابعة وأربع دقائق عصرًا. قبل اثنتي عشرة ساعة وست وثلاثين دقيقة من الآن. --- في الوقت الذي كان فيه رامز طاهر جالسًا في هذه الغرفة بالذات يشاهد التلفاز ويقول لزوجته إنه يعرف. كان هناك شخص واقف أمام بيته. --- وضع الصورة. جلس. --- لم يكن خائفًا. أو ربما كان خائفًا وأسماه شيئًا آخر لأن ثلاثين عامًا في المباحث تعيد تعريف الكلمات. --- كان يفكر في شيء واحد فقط. في رجل بشعر أبيض خرج أمس من سجن الحرمل. وقبل أن يمضي أربعٌ وعشرون ساعة على خروجه: مظروف على مكتب محقق في الطابق الثالث. تسجيل على هاتف شاهد. صورة وورقة في غرفة رامز. كل ذلك في أقل من يوم. --- ثلاثون عامًا في المهنة علّمته قاعدة واحدة لا تتغير: الشخص الذي يعمل بهذه السرعة وهذا الهدوء في آن واحد... لا يرتجل. ينفّذ خطة بنيت منذ زمن طويل. --- منذ خمسة عشر عامًا. --- أخرج الورقة من جيبه. الصفحة السابعة والثلاثون. والجملة التي لم تُكتب. والرقم في الأسفل. --- **١٦** --- ست عشرة. زنزانة رقم ست عشرة. خمسة آلاف وأربعمئة وخمسة وسبعون يومًا. مئة وثلاثون ألف ساعة وشيء. --- وقت كافٍ. لبناء كل شيء. --- *نهاية الجزء الرابع*