حكاياتي

الفصل 2: احتراق الحواجز وانكشاف السّر

الجزء 5
الجزء الخامس: وشم الملك ******************** فتحتُ عينيّ على خيوط الفجر الأولى وهي تتسلل باستحياء إلى الغرفة، لتضيء تلك الفوضى الجميلة التي خلفناها ليلة البارحة. كانت "يارا" لا تزال تغفو بين ذراعيّ، يرتفع صدرها وينخفض في إيقاع هادئ مطمئن، بينما افترش شعرها الفاحم وسادتي كشلال من حرير داكن. للمرة الأولى منذ أسابيع، استشعرتُ سلاماً حقيقياً؛ سلام رجل عثر أخيراً على القطعة المفقودة من روحه في أكثر الأماكن استحالة. مررتُ أصابعي بخفة على منحنى كتفها العاري، متأملاً كيف أضحت هذه الجنية المتمردة جزءاً لا يتجزأ من كياني، لكن هذا السلام لم يدم طويلاً. فجأة، انتفض جسدها بين ذراعيّ بتشنج عنيف، وانطلق من شفتيها أنين مكتوم ممزق، كأنين مَن يُعذب ببطء. تبدد النعاس من عينيّ في لمح البصر، واعتدلتُ في جلستي مذعوراً: "يارا! ماذا دهاكِ؟" لم تجب، بل انكفأت على بطنها تلهث بصعوبة، وتغرس أظافرها الحادة في الشراشف حتى كادت تمزقها، بينما انخفضت درجة حرارة الغرفة بشكل مرعب، وانتشرت في الهواء رائحة لاذعة.. رائحة لحم يحترق تمازجت بزفر الكبريت الفاسد. نظرتُ إلى ظهرها المرمرّي، فتجمدت الدماء في عروقي؛ إذ كان الجلد يتشقق ببطء ليرسم أخاديد سوداء متفحمة تتوهج من الداخل بضوء أحمر قانٍ، كجمرة تشتعل تحت الرماد. كانت الخطوط تتلوى وتتشابك لتشكل رمزاً معقداً ومخيفاً، يجسد تاجاً تلتف حوله أفاعٍ مسننة، وكان الوشم ينبض بخبث، وكل نبضة تنتزع منها صرخة ألم مكتومة. همستُ برعب ومددتُ يدي لألمس ظهرها: "يارا.." "لا تلمسه!" صرختْ بصوت متقطع وهي تحاول الابتعاد، وعيناها الذهبيتان تفيضان بدموع الألم: "إنه يحرق.. إنه مهراز!" تجاهلتُ تحذيرها، ودفعتني غريزتي لحمايتها بأي ثمن، فوضعتُ باطن كفي فوق الوشم المشتعل مباشرة. لسعتني حرارة سحرية خارقة كادت تذيب لحمي، لكنني ضغطتُ بقوة أكبر، مستدعياً كل ذرة من إرادتي ورابط الدم الذي يجمعنا، وهمستُ من بين أسنان أطبق عليها الألم: "أنا زوجك.. ودمي يحميكِ". تحت تأثير لمستي، وبفعل احتكاك طاقتي البشرية بسحرها، بدأ التوهج الأحمر يخفت تدريجياً، وكفت الخطوط السوداء عن التمدد، لتستقر كوشم داكن يشوه كمال بشرتها. انهارت يارا على صدري، تتنفس بصعوبة بالغة، بينما تبلل قميصي بعرقها البارد، فسألتها بصوت يرتجف من الغضب والقلق وأنا أضمها إليّ بإحكام: "ما هذا بحق الجحيم؟" أجابتني بصوت منهك، وكأن الحياة قد سُلت منها: "إنه ختم الملك.. لقد وجدنا يا آدم. اندماجنا الليلة الماضية، والتقاء عوالمنا بذلك العمق، أرسل موجة طاقة عاتية عبر الحواجز المتبقية؛ لقد حصّن عهدنا إلى الأبد، لكن الوميض كان كافياً ليلتقط مهراز إشارتي للحظة واحدة". رفعتْ رأسها لتنظر في عينيّ، وكان اليأس يكسو ملامحها، وتابعت: "الدرع الذي كان يواريني بدأ يتصدع؛ هذا الوشم هو عينه التي تراقبني، ويده التي تحاول سحبي عائدةً إلى الجحيم.. إنها مسألة وقت فقط قبل أن يرسل جنوده لكسر الباب". نظرتُ إلى عينيها، إلى الخوف الذي طمس كبرياءها، وإلى الوشم اللعين الذي دنّس جسدها، وأدركتُ في تلك اللحظة أن كل شيء قد تغير؛ فلم أعد ذلك المهندس الذي يحاول النجاة من ورطة سحرية، ولم يعد زواجنا مجرد حبر قديم على ورق مهترئ، بل أصبحت هذه المرأة، بكل سحرها وخطرها، زوجتي حقاً. أمسكتُ بوجهها بين يديّ، ومسحتُ دموعها بإبهامي، وتحدثتُ بنبرة باردة قاطعة لا تقبل الشك، نبرة رجل مستعد لإحراق الوجود من أجل مَن يحب: "لن يأخذكِ مني يا يارا؛ لا مهراز ولا جيوش عالمه السفلي. إذا كان يريدكِ، فعليه أن يمر فوق جثتي أولاً.. وسأحرص على أن أرسله إلى الجحيم قبل أن ألفظ أنفاسي الأخيرة".