حكاياتي

الفصل 4: ثمن النجاة

الجزء 1
الجزءالأول: المواجهة ******************** لم أضِع وقتاً في حساب احتمالات النجاة؛ ففي عالمٍ تسوده الفوضى، يغدو المنطق البشري مقتل صاحبه الوحيد. حددتُ بعينيّ موقع منصةٍ حجرية تتدلى تحت الشرفة، وبوثبة يائسة، قذفتُ بنفسي في الهواء تاركاً الظلمة تبتلعني لبرهة، قبل أن أرتطم بالمنصة، ومنها إلى درجٍ حلزوني متداعٍ، لأهبط أخيراً في قلب قاعة العرش، وسط ذهولٍ تام خيّم على أطياف الظل الحاضرة. تردد صدى ارتطام حذائي البشري بالأرضية البلورية كطلقة رصاص في محرابٍ صامت، فانقطعت ترانيم الزواج الجنائزية على الفور، والتفتت رؤوس المئات من الحراس والكهنة ذوي الوجوه المشوهة نحوي، غير مصدقين أن كائناً من طينٍ ودم اجترأ على تدنيس قصر الرماد. صحتُ بأعلى صوتي؛ بصوتٍ أجش، مثخنٍ بالجراح، لكنه مشبعٌ بغضبٍ زلزل أركان القاعة: "أوقفوا هذه المهزلة!" انتفضت (يارا) في أغلالها، ورفعت رأسها ببطء، وحين التقت عيناها بي، اتسعت حدقتاها بصدمةٍ بددت كل الخواء الذي سكنهما منذ قليل؛ إذ استعرت عيناها الذهبيتان ببريقٍ هو مزيجٌ من الوجل والرجاء، وتحركت شفتاها المرتجفتان لتهمس باسمي رغم المسافة التي تفصلنا: "آدم.. لا.. ستهلك!" اندفع نحوي عشرات الحراس شاهرين رماحهم المستعرة بالنار السوداء، فلم أتراجع، بل رفعتُ قبضتي اليمنى التي طوّقتها بالعقد الفضي المضمخ بدمي، وبمجرد أن استشعرت الفضة حضور (يارا)، انفجر من قبضتي ضياءٌ أزرق وهاج؛ ضياءٌ نقيٌّ وحارق مزّق عتمة العالم السفلي وأطاح بالحراس المتقدمين كالهباء في مهب الإعصار. نهض (مهراز) عن عرشه، وتبخرت ملامحه المتغطرسة ليحل محلها غضبٌ مستعر، فجعلت خطواته الثقيلة الأرض تميد، وكادت نظراته الناقمة تخترق جمجمتي، ثم زمجر الملك بصوتٍ ثقّل الهواء في رئتي: "بشري؟ أحشرةٌ من عالم الطين تجترئ على اقتحام محرابي وإفساد طقوسي؟ كيف عبرت البوابة أيها الفاني؟" تقدمتُ بخطى واثقة نحو قلب القاعة، متجاهلاً النصال المسلطة على عنقي؛ لم تفارق عيناي (يارا) للحظة، بل كنت أستمد من رؤيتها جلدي للوقوف على قدميّ المحطمتين، وقلتُ وأنا أتوقف على مبعدة خطوات من منصتها، رافعاً ذقني لأواجه الملك الطاغية: "لم آتِ لأجيب عن أسئلتك.. أنا آدم، وقد جئتُ لأسترد زوجتي". ضجت القاعة بضحكات ساخرة ومخيفة انبعثت من الكهنة والحراس، وانفجر (مهراز) في ضحكة زلزلت الجدران، قبل أن يهوي بسوطه الناري على الأرض بجانبي، مخلفاً شقاً غائراً وهو يقول باحتقار مرير: "زوجتك؟ هذه الجنية تحمل دماء أرفع سلالات العالم السفلي، وهي ملكي بحق القوة والسيادة. عهد الدم الذي تحتمون به كان محض خدعة للتخفي، وقد انتهت صلاحيته بمجرد أن وطأت قدماها قصر الرماد. سأقتلك ببطء أيها البشري، وأجعلها تشرب من دمك في كأس زفافنا". لكنني لم أرتعش، بل أخرجتُ من جعبتي الخيوط الأخيرة لخطتي؛ تلك المعرفة التي استقيتها من مذكرات جدي، وصحتُ بصوتٍ تحدى زمجرته: "القوة والسيادة لا تلغيان القوانين الأقدم من عرشك يا مهراز! لستُ هنا بشرياً يستجدي الرحمة، بل أنا صاحب حقٍ يطالب بـ (ميثاق العهد الأول).. الميثاق الذي خُطَّ قبل أن تُصاغ تيجانكم! دمي مسفوكٌ على هذه الفضة، وروحي امتزجت بروحها اختياراً. هي زوجتي بالدم والسحر، وأي محاولةٍ لغصبها ستدمر جوهر السحر الذي تقوم عليه مملكتك!" ساد صمتٌ مطبق ومفاجئ، ورأيتُ التردد في عيون الكهنة، بينما اضطربت نيران المشاعل الخضراء. نظرتُ إلى القيود السحرية التي تكبل (يارا)، فرأيتها تومض وتضعف استجابةً لكلماتي؛ فقد بدأ القانون القديم يستيقظ تلبيةً للمطالبة الحقة. أدرك (مهراز) أنني لستُ مجرد إنسي يائس، بل رجلٌ تسلح بنواميس عالمهم المعقدة، فضاق بعينيه المشتعلتين مدركاً عجز مملكته عن سحقي دون إثارة تمرد السحر القديم ضده. نزل الملك خطوة عن عرشه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة تقطر مكراً، وهمس بنبرة جليدية: "تطالب بميثاق العهد الأول إذن أيها الإنسي الجسور؟ حسناً، الميثاق يمنحك حق المطالبة.. لكنه يشترط أن تثبت أهليتك لاستعادة ما سُلب منك. سأمنحك حق استرجاعها، لكن عبر (محاكمة الأرواح)؛ وهو تحدٍ مهلك صِيغ لعظماء الجن، فما بالك بجسدك الهش الممتلئ بالماء والطين؟" نظرتُ إلى (يارا)، فكانت تهز رأسها بيأس، والدموع تحفر مسارات لامعة على خديها الشاحبين، تتوسل إليّ بصمتٍ أن أنجو بنفسي، لكنني وجهتُ نظري مجدداً نحو الملك، وابتسمتُ ابتسامة تحدٍ قاسية، مستعداً لبذل روحي ثمناً لحريتها: "أقبل التحدي.. أعدّ محاكمتك يا مهراز، وسأريك ما يمكن للطين أن يفعله بالنار".