حكاياتي

الفصل 4: ثمن النجاة

الجزء 2
الجزء الثاني: محاكمة الأرواح ******************** اتسعت ابتسامة "مهراز" الماكرة حتى كشفت عن أنيابه، وكأنه كان يترقب هذه الكلمة ليوقعني في حبائله الأبدية؛ فأشار بيده المكسوة بالدروع السوداء، لتتراجع حشود الكهنة والحراس مفسحةً ساحة دائرية واسعة في قلب القاعة. وفي تلك الأثناء، صرخت "يارا" وهي تتلوى في قيودها السحرية التي توهجت بنورٍ تحذيري: "لا يا آدم! محاكمة الأرواح ليست نزالاً بالسيوف.. إنها هاوية تلتهم العقل! لن يصمد إدراكك البشري أمامها، أرجوك تراجع!" لكنني لم ألتفت، ولم تزلزلني توسلاتها؛ بل ثبتُّ قدميّ فوق الأرضية البلورية، ورمقتُ الملك بنظرةٍ صلبة لا تلين، فدوى صوت "مهراز" مجلجلاً في أرجاء القصر: "نواميس المحاكمة يسيرة أيها الإنسي المغرور؛ لن أقاتلك بجسدي، بل سألقي بك في (بئر العدم)؛ وهو فراغ يمتص الذكريات، وينهش الوعي، ويختبر صلابة الرابط الذي تدّعيه.. فإذا استسلمت، استحالت روحك رماداً يُنثر تحت قدمي، وغدت هي لي للأبد، أما إذا صمدت حتى تنطفئ شعلة الرمل الأسود.. فسأذعن لعهدك". وقبل أن يرتد إليّ طرفي، ضرب "مهراز" بصولجانه الأرض، فانشق الكريستال الأسود من تحتي فجأة، وابتلعتني هوة سحيقة لا قرار لها. سقطتُ في ظلامٍ مطبق، ظلامٍ لزج وبارد كالموت، ولم يكن هناك ألم جسدي في البداية، بل شيء أشد وطأة؛ إذ شعرتُ بآلاف الأصوات تهمس في أذني دفعة واحدة، تخترق جمجمتي وتعبث بمخزون ذكرياتي. بدأت الصور تتشكل في الفراغ؛ رأيتُ حياتي البشرية الرتيبة، ووحدتي، وإخفاقاتي، ثم برزت "يارا".. لكنها لم تكن يارا التي سكنت وجداني، بل نسخة مشوهة منها، تضحك بسخرية لاذعة وتقول: "أحقاً ظننت أن جنية خالدة قد تعشق كائناً من طين؟ لقد كنت محض درع غبي أتوارى خلفه.. مجرد أداة لنجاتي". بدأ الفراغ يعتصر صدري، مستنزفاً مني الأكسجين والأمل، ونشبت نيران باردة مخالبها في أطرافي؛ نيران لا تحرق اللحم، بل تلتهم الإرادة. كان السحر الأسود يجاهد لإقناعي بأن كل ما عشته كان وهماً، وأن تضحيتي هباء، وأن الاستسلام هو الملاذ الوحيد للسكينة. شعرتُ بكياني يتلاشى، وروحي تتمزق تحت وطأة هذا الكابوس، فرفعتُ يدي لأستسلم، لأغرق في هذا العدم وأضع حداً للعذاب.. لكن أناملي لامست المعدن البارد للعقد الفضي الملتف حول قبضتي. وفي تلك اللحظة الحاسمة، ومضت جذوة السحر الأزرق التي تجري في عروقي، تلك التي غرزتها يارا في دمي في ليلتنا الأخيرة. أغمضتُ عينيّ بقوة، ورفضتُ الانصياع لأوهام الهاوية؛ فاستدعيتُ ذكرياتي الحقيقية لتكون درعي بوجه الجنون؛ تذكرتُ لمساتها المترددة في عتمة المكتبة، وعبق خشب الصندل والبرق الذي يسكر حواسي، وتذكرتُ دموعها الحارة وهي تبوح لي بوجلها، وتلك اللحظة التي تهاوت فيها كل حصونها لتستكين بين ذراعي، تذكرتُ شهقتها حين لامستُ وشم الملك على ظهرها، وكلماتها الأخيرة: "لقد منحتني أجمل أيام حياتي الخالدة". أدركتُ حينها أن الحب البشري ليس ثغرة كما يزعمون، بل هو أساسٌ متين لم يدرك سحرهم كنهه يوماً. صرختُ صرخة مزقت جدار العدم؛ صرخةً مفعمة بكل العشق والضغينة التي تمور في صدري، فاستحال التوهج الأزرق في عروقي حريقاً ساطعاً، وانفجرت طاقة العقد الفضي لتشكل درعاً من النور، طارداً الظلال والأصوات الخبيثة. رفضتُ الانكسار، وأبيتُ التخلي عن ميثاق الدم؛ فتوهجت طاقتي البشرية الممتزجة بسحرها بضياءٍ أعشى الأبصار، وفجأة، تحطم الفراغ من حولي كمرآة مهشمة. وجدتُ نفسي مسجىً على أرضية القاعة الكريستالية، ألهثُ بعنف، وجسدي يتصبب عرقاً، لكنني كنت أتنفس.. وكنت حياً. نظرتُ حولي، فرأيت شعلة الرمل الأسود قد خمدت تماماً؛ لقد صمدتُ، وقهرتُ محاكمة الأرواح. رفعتُ رأسي بجهدٍ جهيد، ونظرتُ إلى "يارا" التي كانت تبكي بصمت، وعيناها تبرقان بفرحة ذاهلة، ثم نقلتُ بصري إلى "مهراز"؛ فكان الملك الطاغية يقف متصلباً، ووجهه يغلي بضغينةٍ لم يسبق لها مثيل، ويداه ترتجفان من فرط الحنق، غير مصدقٍ أن فانياً قد روّض سحره الأقدم. ابتسمتُ بوهنٍ، وبصقتُ دماً من فمي قبل أن أنتصب على قدميّ المرتجفتين، وأقول بصوتٍ مبحوح يقطر زهواً: "لقد انتهت محاكمتك.. حرر زوجتي".