الجزء 3
الفصل 4: ثمن النجاة
الجزء 3
الفصل 4: ثمن النجاة
الجزء 3
الجزء الثالث: الدماء المشتعلة
********************
تردد صدى كلماتي في قاعة العرش البلورية، يقابله صمتٌ وجلٌ مشحون بالتوتر، بينما حدق "مهراز" بي، وعيناه المستعرتان بالنار الخضراء تضيقان بحقدٍ دفين، وكأنه عجز عن استيعاب كيف لـ "كائنٍ من طين" أن يهزم سحره الأقدم ويخرج من بئر العدم محتفظاً بعقله وروحه. مرت ثانية، ثم اثنتان.. وفجأة، استحال صمته زمجرةً وحشية زلزلت جدران القصر، فصرخ الملك الطاغية نابذاً كل مواثيق الشرف التي أقرّها:
"ميثاق العهد الأول صِيغ للأنداد، لا للحشرات!"
"اقتلوه! مزقوه إرباً وانثروا دمه على درجات عرشي!"
انقضّ حراس الظل نحوي كأمواج من سوادٍ حارق، ولم أكن أملك سوى قبضتي الملتفة حول العقد الفضي لأذود بها عن نفسي، فقاتلتُ بضراوة يائسة، أضرب يميناً ويساراً، والضياء الأزرق المنبعث من العقد يصد هجماتهم، غير أن الكثرة كانت غالبة، وجسدي البشري قد استنفد طاقته القصوى بعد خروجه من محاكمة الأرواح. اخترق رمحٌ من نارٍ سوداء دفاعي ليشطر كتفي الأيسر بعمق، فارتددتُ للخلف أترنح، وسقطتُ على ركبة واحدة بينما تدفق دمي القاني ليقطر بغزارة فوق أرضية القاعة الباردة، ويغمر العقد الفضي الملتف حول يدي. صرخت "يارا" بصوتٍ متهدج وهي تتلوى بعنف محاولةً الفكاك من الأغلال السحرية التي تقيدها:
"آدم!"
ضحك "مهراز" بخبث وهو يرقب نهايتي الوشيكة، لكن في اللحظة التي اختلط فيها دمي النازف بسطح البلور الأسود وتشرّبه العقد الفضي بالكامل.. حدث ما لم تدركه حسابات الملك ولا أعتى سحرة عالمه؛ إذ إن غدر "مهراز" ونكثه بوعده بعد اجتيازي المحاكمة، اعتبره "السحر القديم" خيانةً عظمى لميثاق العهد الأول، والدم الذي نزفته لم يعد دم إنسانٍ عادي، بل دمٌ ضُمّخ بطاقة "يارا" وحُصِّن برباط زواج لم يُفصم. بدأ العقد الفضي ينبض بجنون، لا بضوء أزرق خافت، بل بانفجار من النور الأبيض الساطع الذي أعشى أبصار كائنات الظل، وسرت موجة زلزالية عبر أرضية القاعة متجهةً نحو المنصة التي تُحتجز عليها يارا. وبصوتٍ يشبه تحطم جبل من الزجاج، انفجرت السلاسل الحمراء لتستحيل غباراً لامعاً، وتلاشى ثوب الزفاف المهين ليحل محله رداءٌ من الظلال الزرقاء المشتعلة، والأهم من ذلك كله، أن الوشم المقيت الذي كان يختم ظهرها ويقمع سحرها، احترق وتبخر مطلِقاً صرخة غيظ من سحر "مهراز" المندحر. انتصبت يارا واقفةً فوق المنصة، وعيناها الذهبيتان تتقدان بنارٍ لم أرها قط؛ نار الغضب المحض الممتزج بطاقتي البشرية، فلم تعد هاربة أو وجلة، بل استعادت جوهرها كاملاً مضافاً إليه قوة الميثاق الذي يجمعنا. حلقت في الهواء كعاصفةٍ ثائرة، وهبطت أمامي مباشرة لتفصل بيني وبين حراس الظل، ثم رفعت يديها فانطلقت منهما سيولٌ من النيران الزرقاء التي اجتاحت صفوف العدو، محيلةً إياهم رماداً في لمحة بصر. استدارت نحوي بلمح البصر، وكانت أنفاسها تتلاحق وملامحها تجمع بين شراسة المقاتلة ورقّة المرأة التي تخشى على حبيبها، فجثت على ركبتيها ووضعت يدها المشتعلة بسحرٍ دافئ فوق جرح كتفي، ليتوقف النزيف فوراً وتسري في عروقي حرارة رممت ما تمزق من لحمي، وهمست وعيناها تفيضان بمشاعر لا تُوصف:
"لقد قلتُ لك ذات مرة إنك تلعب بالنار أيها البشري المغرور".
فأجبتها وأنا أنتصب بجوارها، مشدداً قبضتي على العقد:
"وقلتُ لكِ حينها.. دعينا نحترق معاً".
التفتنا معاً لنواجه "مهراز" الذي نزل عن عرشه مستلاً سيفاً ضخماً من الظلام الكثيف، ووجهه مشوه بضغينةٍ جنونية؛ فلم نعد إنسياً وجنية، ولم نعد حامياً ومحمية، بل وقفنا كتفاً بكتف؛ طاقتي البشرية ترفد سحرها، ونيرانها الزرقاء تغلف حديدي، غدونا كياناً واحداً مستعداً لإحراق قصر الرماد فوق رأس طاغيته.