الجزء 3
الفصل 1: شرارة البداية
الجزء 3
الفصل 1: شرارة البداية
الجزء 3
### الجزء الثالث: القراءة الأولى
---
في اليوم الثالث، تبدّلت الوجوه. لم يكن تبدّلًا كبيرًا يراه العابر، بل من ذلك النوع الذي لا يلتقطه إلا من اعتاد أن ينظر إلى ما تحت الوجه، لا إلى الوجه نفسه. لاحظ رائد ذلك فور دخوله القاعة: المكان نفسه، والمقاعد نفسها، والإضاءة البيضاء الباردة نفسها، لكن الناس لم يعودوا هم أنفسهم. الشاب الذي كان يرتّب أقلامه وفقًا لألوانها صار يجمعها كلها في كوب واحد بلا ترتيب، كمن قرر أنه لم يعد ثمة وقت للطقوس. والمرأة التي كانت تحفظ من هاتفها تركت الهاتف وصارت تكتب بيدها مباشرة، لأن الكتابة بالقلم أسرع حين يتحول الضغط إلى شيء حقيقي. أما الرجل الضخم الذي كان يملأ مقعده عمدًا، فقد صار يجلس بانكماش خفيف، كمن اكتشف أن الحجم لا يحمي في هذا المكان. أما المبتسم فبقي على حاله، لكن ابتسامته تبدّلت؛ صارت أضيق وأكثر حذرًا، كأنها لم تعد ترحيبًا بل درعًا. جلس رائد في المكان نفسه: المنتصف، الزاوية الأفضل. لاحظ كل ذلك في المدة التي يستغرقها المرء لإخراج قلمه من حقيبته، ثم رفع عينيه إلى الصف الأمامي.
---
كانت سيرين تنظر إلى المشرف وهو يتكلم، لكن رائد لاحظ شيئًا آخر: عيناها لا تتبعان فمه، بل وجوه الآخرين. كانت تسمعه وتراقبهم في الوقت نفسه، كأنها تجمع نوعين من المعلومات في قناة واحدة. في اليوم الأول لاحظها، وفي اليوم الثالث بدأ يفهم نمطها؛ سيرين لا تقرأ الحدث نفسه، بل تقرأ ردود الفعل عليه. وهذا ليس الأسلوب ذاته، بل هو شيء مختلف تمامًا.
---
قال المشرف: "اليوم لدينا شيء مختلف". لم يشرح فورًا، بل وضع جهازًا صغيرًا على الطاولة الأمامية، مشغّل تسجيل، وقال: "ستستمعون إلى استجواب مدته دقيقتان واثنتان وثلاثون ثانية، لشاهد في قضية سرقة تجارية. أُجري الاستجواب قبل سبع سنوات، وأُغلقت القضية، وأُخذت أقوال الشاهد ولم يُلاحَق. لكن مراجعة لاحقة أثارت سؤالًا واحدًا: هل كان يكذب أم لا؟" ثم أشار إلى طاولة جانبية عليها أوراق مطوية: "ومع التسجيل، تقرير من صفحتين يوجز التحقيق وملابساته. لكل واحد منكم نسخة". وزّع المساعد الأوراق. نظر رائد إلى نسخته: تقرير مكثف، مرتب، مكتوب بلغة مؤسسية بلا ملامح؛ أرقام، وتوقيتات، وأسماء مختزلة إلى حروف. قال المشرف: "بعد الاستماع، أمامكم خمس دقائق، ثم أريد أن أسمع ما رأيتم". ثم شغّل الجهاز.
---
جاء الصوت واضحًا بالقدر الذي تسمح به التسجيلات الرسمية القديمة: صوت المحقق يسأل، وصوت الشاهد يجيب. لهجة هادئة في ظاهرها، لكن هدوءها نفسه كان محسوبًا أكثر مما ينبغي. كانت الأسئلة في بدايتها عادية: أين كنت؟ متى وصلت؟ من رأيت؟ وكانت الإجابات متماسكة، واضحة، بلا تلعثم. لكن عند الدقيقة الأولى وأربعين ثانية، حين سأله المحقق: "هل لاحظت شيئًا غير اعتيادي قبل مغادرتك؟"، جاء الجواب بعد توقف لم يطل؛ لثانيتين ربما، لكنه جاء بصيغة غريبة: "لا... لا، كل شيء كان عاديًا". التكرار؛ النفي أولًا، ثم إعادته، كأن الجواب الأول لم يقنع صاحبه فجاء الثاني ليسند الأول. ثم تابع الاستجواب كأن شيئًا لم يحدث. وفي الدقيقة الأخيرة، سأله المحقق عن توقيت خروجه مرة أخرى بصيغة مختلفة قليلًا، فأجاب الشاهد بالرقم نفسه تمامًا، من غير زيادة ولا نقصان. وانتهى التسجيل.
---
خمس دقائق من الصمت، أو ليست صمتًا كاملًا، بل كل واحد يتحدث مع نفسه بطريقته. لم ينظر رائد إلى الأوراق مباشرة، بل أغمض عينيه لثانيتين وأعاد التسجيل في ذاكرته، لا بوصفه كلمات، بل بوصفه بنية: السؤال، ثم التوقف، ثم الصيغة التي جاءت بعده. ثم فتح الأوراق. كان التقرير يذكر أن الشاهد غادر الموقع في الساعة السابعة وخمس دقائق مساءً، وهذا هو الرقم نفسه الذي كرره في الاستجواب بلا تردد. لكن في الهامش الأيمن من الصفحة الثانية، في سطر يبدو كأنه ملاحظة إدارية لا جزءًا من المتن، كُتب: "مراجعة كاميرا المدخل: خروج مركبة مطابقة للوصف 19:22". أي بعد سبع عشرة دقيقة من الوقت الذي ذكره الشاهد.
---
قال المشرف: "انتهى الوقت. من لديه استنتاج؟"
---
رفعت سيرين يدها أولًا، لكنها لم تبدأ بالأوراق. قالت: "حين سُئل عن الوقت مرة أخرى في آخر الاستجواب، أعطى الرقم نفسه بالضبط. لم يتردد، ولم يُعِد الحساب، ولم يقل: (كما ذكرت). قاله كأنه يستعيده من مكان محفوظ، لا من ذاكرة". توقفت، ثم أضافت: "الناس لا يتذكرون الأوقات بهذه الدقة عادة. من يكرر رقمًا مثل السابعة وخمس بالثقة نفسها مرتين، لا يسترجع ذكرى، إنه يستعيد رقمًا محفوظًا، وهذا فرق كبير". ثم قالت بعد لحظة: "وحين سُئل عما لاحظه قبل المغادرة، كرر النفي. قال: لا... لا، كل شيء كان عاديًا. الكاذب يحتاج أحيانًا إلى جملة ثانية ليسند بها الأولى".
---
قال المشرف: "من أيضًا؟" نظر رائد إلى الورقة. لم يكن ينوي الكلام في البداية، لكن الهامش في الصفحة الثانية كان أوضح من أن يُترك. قال: "التقرير يذكر أن خروجه كان في السابعة وخمس. لكن في الهامش الأيمن من الصفحة الثانية توجد ملاحظة عن كاميرا المدخل تشير إلى أن مركبة مطابقة للوصف غادرت في السابعة واثنتين وعشرين". ساد صمت قصير في القاعة، ثم تابع: "سبع عشرة دقيقة. إذا كانت روايته صحيحة، فأين كان في هذه الدقائق السبع عشرة؟ والأهم: من الذي كتب هذه الملاحظة في الهامش ولم يُدخلها في متن التقرير؟"
---
لم يمدح المشرف أحدًا. لم يقل "ممتاز"، ولم يبدُ عليه الرضا. قال ببرود مؤسسي مثالي: "كلاكما وصل إلى شيء، وكلاكما أغفل شيئًا". ثم نظر إلى سيرين: "أن يكذب الشاهد لا يخبرنا لماذا يكذب. الكذب ليس الإجابة، بل بداية السؤال". ثم نظر إلى رائد: "والفجوة الزمنية لا تخبرنا شيئًا، ما لم نفهم ممَّن كان هذا الشاهد يحاول أن يحمي نفسه". توقف، ثم قال بنبرة أهدأ: "القضية أُغلقت، والشاهد كان يكذب فعلًا، والملاحظة في الهامش كتبها محقق أصغر نُقل قبل أن يُتمّ التحقيق". لم يشرح أكثر، بل استدار نحو الشاشة قائلًا: "التمرين التالي بعد عشر دقائق".
---
في الممر، حين خرجوا إلى الاستراحة القصيرة، سمع رائد صوتها خلفه: "الهامش لافت، لكنك لم تسأل عمّن كتبه". لم يلتفت فورًا، بل مشى خطوتين ثم توقف وأدار رأسه وقال: "وأنتِ لاحظتِ الكذب، لكنك لم تسألي عما كان يخفيه". قالت: "الكذب نفسه معلومة. من يكذب، ومتى، وبأي نبرة؛ كل ذلك يخبرك من يكون هذا الشخص". قال: "ومن يكتب ملاحظة في هامش تقرير ثم يُنقل قبل أن يُتمّه، فهذا يخبرك من يملك قرار الإبقاء والنقل". ساد صمت قصير. نظرت إليه بالطريقة نفسها التي كانت تنظر بها إلى القاعة في اليوم الأول، كأنها تقرؤه لا تراه فقط. قالت: "أنت تبدأ من الورق". قال: "وأنتِ تبدئين من الصوت". قالت: "الصوت لا يكذب". فقال: "والورق لا ينسى". جملتان متوازيتان؛ لا رابح ولا خاسر، لكن المسافة بينهما لم تضق. استدارت وتركته.
---
جلس رائد على مقعد في آخر الممر، وحيدًا طوال تلك الدقائق العشر. لم يفتح الدفتر فورًا، بل نظر أولًا إلى الجدار المقابل؛ أملس، رمادي، لا شيء فيه يستحق النظر. وفكّر فيما قاله المشرف: القضية أُغلقت، الشاهد كان يكذب، والملاحظة في الهامش كتبها محقق أصغر نُقل قبل أن يُتمّ عمله. ثلاث معلومات بدت في ظاهرها خاتمة، لكنها في رأس رائد كانت بداية لثلاثة أسئلة: من أغلق القضية؟ وماذا كان الشاهد يحمي فعلًا؟ ومن قرر نقل ذلك المحقق الأصغر؟ لم تعد هذه أسئلة التمرين؛ فالتمرين انتهى. هذه أسئلة نبعت من الزاوية التي لم يُطلب منهم النظر إليها. فتح الدفتر وكتب: "سيرين تبدأ من الشخص، وأنا أبدأ من الأثر. كلانا يصل إلى نقطة ثم يتوقف قبل التي تليها. المشكلة ليست في طريقة البداية، بل في ظننا أن بداياتنا مختلفة وأهدافنا واحدة؛ ربما كانت الأهداف مختلفة أيضًا". توقف عن الكتابة، وقرأ ما كتبه مرة أخرى، ثم أضاف: "أو ربما نحن نصف الحقيقة نفسها، كلٌّ من جهته". أغلق الدفتر، ونظر إلى الجدار مرة أخرى.
---
حين عاد إلى القاعة قبل الجميع بدقيقة، مرّت قربه عربة أرشيف يدفعها أحد موظفي الإدارة من باب جانبي إلى مخزن في الجهة الأخرى. ملفات مرتبة في صناديق مرقمة. لم يكن لدى رائد أي سبب للنظر إليها، لكن أحد الصناديق كان مفتوحًا قليلًا، ويبرز من شقّه طرف ملف أصفر باهت أوراقه قديمة. وعلى لسانه الجانبي، في الزاوية، كُتب بالأحمر: م.خ - 09. لم يعرف ماذا تعني، ولم يتوقف، لكنه حفظها؛ لأنه من النوع الذي يحتفظ بما لا يفهمه بعد.
---
في آخر اليوم، حين خرج من المبنى إلى هواء أبرد من هواء الأمس، لم يتوقف هذه المرة عند الباب، بل مشى مباشرة. وفي رأسه ثلاثة أشياء تتحرك في آن واحد: صوت الشاهد وثانيتا الصمت قبل جوابه، وجملة سيرين "الصوت لا يكذب"، وحرفان وأرقام مكتوبة بالأحمر على ملف أصفر في عربة مرّت ولم تتوقف. لم يكن يعرف بعد أيّ هذه الأشياء الثلاثة هو الأهم، لكنه كان يعلم أن هذا، بالضبط، هو السؤال الصحيح.
---
× × ×
---
في تلك الليلة، بعدما وضع الدفتر على المكتب وأشعل المصباح الجانبي الصغير لا مصباح السقف، كتب رائد تحت كل ما دوّنه ذلك اليوم سطرًا واحدًا: "م.خ - 09"، ووضع تحته علامة استفهام، ثم أغلق الدفتر وذهب إلى النوم. لكن علامة الاستفهام ظلّت مضيئة في مكان ما داخله.
---
[نهاية الجزء الثالث]
---