حكاياتي

الفصل 1: شرارة البداية

الجزء 4
### الجزء الرابع: ثنائية مؤقتة --- كانت البطاقات موضوعة على المقاعد. لاحظها رائد قبل أن يجلس؛ بطاقة بيضاء صغيرة على كل كرسي تحمل اسمين. لم يحتج إلى البحث طويلًا، لأن القاعة رُتبت على نحو مختلف هذا الصباح: ليست صفوفًا متوازية، بل طاولات صغيرة لكل ثنائي. نظر إلى البطاقة على مقعده: "رائد / سيرين". لم يتفاجأ، أو هكذا قال لنفسه. جلس وأخرج دفتره ووضعه على الطاولة، ثم نظر إلى الكرسي الفارغ أمامه. جاءت سيرين بعد دقيقة، ونظرت إلى البطاقة بالطريقة التي ينظر بها المرء إلى شيء كان يتوقعه لكنه لم يكن يريد رؤية تأكيده، ثم جلست من غير تعليق. ولم يقل أيٌّ منهما شيئًا. --- قال المشرف وهو يقف أمامهم بنبرة لا تدعو إلى النقاش: "الذكاء لا يثبت نفسه في العزلة. ضاعت قضايا كثيرة لأن كل محقق رأى نصف الصورة، ثم تصرف كأنه يراها كاملة". مسح الغرفة بنظرة واحدة وأردف: "اليوم ستعملون في أزواج، والاختيار ليس عشوائيًّا". لم يشرح أكثر، بل أشار إلى باب في الجهة الجانبية من القاعة ظل موصدًا في اليومين الماضيين: "غرفة المحاكاة. كل ثنائي سيدخل على حدة. في الداخل: مكتب، وشاهد، وأدلة. مهمتكم أن تعيدوا بناء ما حدث، وأن تحددوا موضع الخلل في الرواية الرسمية. أمامكم عشرون دقيقة". نظر إلى ساعته وقال: "الثنائي الأول". ذكر اسمين، ثم أضاف: "رائد وسيرين، أنتما الثنائي الثالث". --- في وقت الانتظار، لم يتكلما. لكن رائد لاحظ من طرف عينه أن سيرين لا تراقب الثنائيات الخارجة كما يفعل بعضهم بفضول مُقارِن، بل كانت تنظر إلى الباب نفسه فقط، كأنها تقيس خصمًا لا تعرف شكله بعد. فكّر في نفسه: "هي أيضًا تستعد، لكن ليس للشيء نفسه الذي أستعد له". لم يكتب شيئًا في الدفتر هذه المرة، بل أبقاه مغلقًا. --- حين دخلا الغرفة، وجدها رائد أصغر مما تخيّل. مكتب في المنتصف، مائل قليلًا عن محور الغرفة على نحو يبدو عفويًّا، لكنه ليس كذلك. وعلى المكتب: ملف مفتوح، وكوب فارغ، وقلم موضوع أفقيًّا لا رأسيًّا، وجهاز حاسوب مالت شاشته بزاوية لا تُريك ما عليها من مكانك. وعلى الكرسي في الجهة الأخرى من المكتب جلس ممثل التمرين: رجل في الأربعين بملابس موظف، يضع يدًا على المكتب والأخرى في حجره. وعلى الجدار الجانبي لوحة عليها ثلاث جمل تلخّص الموقف الرسمي: "موظف في قسم الأرشيف. يدّعي أنه لاحظ اختفاء ملف عند الساعة الثالثة والنصف مساءً، وأبلغ مسؤوله فورًا. لا إجراء رسميًّا حتى الآن". نظرا إلى اللوحة، ثم نظر كلٌّ منهما إلى الغرفة بطريقته. رائد بدأ من اليسار: الباب، والمسافة بين الباب والمكتب، وسجلّ الدخول على الطاولة الجانبية الصغيرة، وموقع الكوب الفارغ. أما سيرين، فبدأت من الرجل. --- قالت سيرين قبل أن يفتح رائد فمه: "متى بالضبط لاحظت اختفاء الملف؟" قال الرجل: "الثالثة والنصف، كما ذُكر". سألته: "وماذا كنت تفعل قبلها؟" أجاب: "أرتّب". تابعت: "وحين رأيت أن الملف غير موجود، ماذا فعلت أولًا؟" قال: "بحثت عنه". سألته: "كم دقيقة؟" توقف قليلًا وقال: "دقيقتين... ثلاثًا". سألته: "ثم؟" أجاب: "اتصلت بمسؤولي". كانت تنظر إليه بعينين تبدوان هادئتين، لكن رائد الذي كان يراقب المكتب والرجل في الوقت نفسه، لاحظ شيئًا آخر: سيرين لم تكن تنظر إلى وجهه وحده، بل كانت تراقب يده التي تتحرك كلما أجاب، والجهة التي يميل إليها جسده، والمسافة بين كتفيه. وكان الرجل كلما تحرك تلقائيًّا، استعمل يده اليسرى. كانت تقرأه، وهو لا يعرف أنها تفعل ذلك. وفي هذه الأثناء، كان رائد يقرأ سجل الدخول. --- قال رائد بهدوء: "لحظة". كلمة قطعت إيقاع سيرين، فنظرت إليه. أشار إلى السجل قائلًا: "آخر إدخال قبل وقت الحادثة كان عند الثانية واثنتين وخمسين دقيقة. اسم شخص آخر". نظرت سيرين إلى السجل سريعًا، ثم أعادت عينيها إلى الرجل وسألته: "من كان في الغرفة قبلك؟" قال: "زميل، أمر روتيني". قالت: "اسمه مسجّل في سجل الدخول، لكن خروجه غير مسجّل". صمت الرجل لثانية ثم قال: "أحيانًا ننسى". فقالت سيرين بنبرة لا تتهم ولا تصدّق: "وأحيانًا لا ننسى". --- استدارت نحو رائد وقالت بصوت منخفض بعيدًا عن مسمع الرجل: "إنه يحمي أحدًا، الزميل على الأرجح". فقال رائد بالصوت نفسه: "أو يحمي نفسه من التورط في التغطية. انظري إلى الكوب". سألته: "ماذا فيه؟" فأجاب: "فارغ، وموضوع على يمين الطاولة، والرجل أعسر؛ هذا ليس موضع كوبه". نظرت إلى الكوب، ثم إلى يديه، ثم ألقت على رائد نظرة خاطفة لم تكن مدحًا، لكنها لم تكن اعتراضًا أيضًا. قالت: "إذًا كان هناك شخص ثالث". قال: "أو أن الزميل لم يخرج حين يُفترض أنه خرج". --- عادا إلى الرجل. قالت سيرين: "الكوب على يمين الطاولة، وأنت أعسر". لم ينكر، لكنه لم يقرّ. سألته: "من شرب من هذا الكوب؟" طال صمته هذه المرة ثلاث ثوانٍ كاملة. والصمت الطويل، كما كان رائد وسيرين يعرفان، أبلغ من أي إجابة. قال أخيرًا: "زميلي؛ جلس قليلًا قبل أن أخرج من الأرشيف لأتصل". قالت: "إذًا لم يكن قد غادر حين سُجّل دخوله عند الثانية واثنتين وخمسين دقيقة". قال: "لا". تابعت: "وحين عدت بعد الاتصال، هل كان الملف ما يزال موجودًا؟" صمت مرة أخرى، ثم قال: "لا". --- خرجا من الغرفة بعد ثماني عشرة دقيقة. قال المشرف من غير أن ينظر إلى ساعته: "ضاعَت منكما في البداية دقيقتان كاملتان". لم يكن سؤالًا، بل كان تقريرًا. وأضاف: "في الدقائق الأولى، كان كل واحد منكما يحاول أن يطوّع الغرفة وفق طريقته، وحين توقف كل منكما عن ذلك، وبدأتما تريان ما أمامكما، بدأت الصورة تتشكل". نظر إلى رائد وقال: "الكوب كان ملاحظة صحيحة. وصلت إليها لأنك لا تتجاهل التفاصيل، لكنك وحدك لم تكن لتنتزع من الرجل ما يكفي". ثم نظر إلى سيرين: "والتوقف في إجاباته كان المفتاح، لكنك وحدك لم تكوني لتربطيه بدليل مادي". أغلق ملف التقييم وقال: "معًا وصلتما إلى الصورة الكاملة. وهذا لا ينبغي أن يريحكما، بل ينبغي أن يقلقكما؛ لأن ذلك يعني أن أيًّا منكما لا يكفي وحده". --- في الممر، بعد خروج الثنائيات الأخرى، وقفا لثانية يصعب نسيانها. قالت سيرين: "الكوب؛ لم أره". قال: "والتوقف في إجاباته؛ لم ألتقطه بالسرعة التي التقطتِه بها". ساد صمت قصير. قالت: "كنتَ ستصل إليه". فقال: "ربما، بعد الدقيقتين اللتين أضعناهما في البداية". لم تبتسم، لكن شيئًا في وجهها لان بمقدار لا يُقاس. قالت: "ضاعتا لأن كلًّا منا أراد أن يبدأ". قال: "في المرة القادمة نقرر من يبدأ قبل أن ندخل". نظرت إليه متسائلة: "في المرة القادمة؟" لم يُجب؛ لأنه لم يكن يعرف حقًا لماذا قالها. استدارت وأكملت طريقها. --- في المساء، فتح رائد الدفتر على الطاولة إلى جوار النافذة، وكتب ببطء: "بعض العقول تفتح الباب، وبعضها يرى ما وراءه. والخطأ ليس في اختلاف الطريقين، بل في ظنّ أحدهما أن الطريق الآخر زيادة لا ضرورة لها". توقف، ثم أضاف: "سيرين، حين تعمل تحت الضغط، لا تتشتت بل تتركز. معظم الناس حين يضيق الوقت يتفرقون: يفتشون أكثر، ويتكلمون أكثر، ويتوترون أكثر. أما هي فتضيق، وتصمت، وتُصوّب. لم أرَ هذا من قبل بهذا الوضوح". قرأ ما كتبه ولم يمحه، ثم أضاف سطرًا أخيرًا: "هذا ليس إعجابًا، هذا تقييم. والفرق مهم". أغلق الدفتر، ونظر من النافذة. --- لكن قبل أن يغلقه، كان قد لاحظ شيئًا؛ في غرفة المحاكاة، حين كان يقرأ سجل الدخول، لمح في أعلى الصفحة ختمًا صغيرًا: ختم القسم الذي أصدر نموذج التمرين، وتحته رمز الأرشيف المَصدر. كان الرمز: م.خ - 07، وليس 09. ملف تدريبي مستمَد من أرشيف حقيقي، ورقم مختلف لكنه من السلسلة نفسها. لم يذكر ذلك لسيرين، ولم يكتبه في الصفحة السابقة، بل فتح صفحة جديدة وكتب في أعلاها: "م.خ - 07. م.خ - 09. سلسلة؟ أم مصادفة؟" ثم أغلق الدفتر هذه المرة فعلًا. --- × × × --- وقبل النوم، في ذلك الهدوء الذي لا يشبه الراحة بقدر ما يشبه لحظة تسبق شيئًا لم يأتِ بعد، فكّر رائد في جملة المشرف: "أيًّا منكما لا يكفي وحده". لم تكن وصفًا للتمرين فقط، بل كانت تبدو كأنها تحذير من شيء آتٍ. --- [نهاية الجزء الرابع] ---