حكاياتي

الفصل 1: شرارة البداية

الجزء 5
### الجزء الخامس: هدنة حذرة --- في اليوم التالي، نظر إليهما المبتسم. لكن ليس بابتسامته المعتادة التي يتخذها درعًا، بل بشيء أقرب إلى الفضول الحقيقي. وقف إلى جوار رائد قبل أن تبدأ الحصة، وقال بنبرة عابرة مدروسة: "كيف وصلتما إلى الكوب؟ الثنائي الذي كان قبلكما لم يلاحظه". قال رائد: "بالمصادفة". لم يكن ذلك صحيحًا، لكن الجواب الصحيح أطول من أن يشرحه لشخص لا يسأل طلبًا للفهم، بل من باب المقارنة. ابتسم الرجل ابتسامةً تشي بأنه لم يصدّق، ثم انصرف. ومن الصف الأمامي، من غير أن تلتفت، قالت سيرين بصوت لا يكاد يصل إلا إليه: "المصادفة جواب كسول". قال: "أعرف". سألته: "فلماذا قلته؟" أجاب: "لأن الجواب الصحيح كان سيدفعه إلى أسئلة أخرى". ساد صمت قصير، ثم قالت بنبرة أقرب إلى الإقرار منها إلى المديح: "معقول". --- طلب المشرف في تلك الحصة شيئًا مختلفًا؛ لا تمرينًا ميدانيًا، ولا استجوابًا، ولا الدخول إلى غرفة محاكاة. أوراق فقط: تقريران أعدّهما ثنائيان آخران عن تمرين سابق، وعلى كل متدرّب أن يراجع تقريرًا لغيره، ثم يدوّن ملاحظة واحدة فقط، لا أكثر، عما أخفق فيه التحليل. ملاحظة واحدة؛ قيد مقصود، لأن الملاحظة الواحدة تكشف ما تراه الأهم، وما تراه الأهم يكشف طريقة تفكيرك. --- حين قرأ رائد التقرير الموضوع أمامه، توقّف عند صفحته الأولى أطول مما ينبغي. كان التقرير منضبطًا في ظاهره: لغة رسمية، وهيكل منطقي، واستنتاجات واضحة. لكن شيئًا ما كان غائبًا؛ غياب لا يصرخ، بل يهمس. كتب ملاحظته: "التقرير يصف ما فعله الشاهد، لكنه لا يسأل لماذا فعله. والكذب الذي لا سبب له، خيط مقطوع قبل أن يوصل إلى شيء". ثم رفع عينيه. وعلى بُعد طاولة، كانت سيرين تكتب بسرعة أقل من المعتاد، وهذا في حد ذاته غير معتاد، كأن الكلمة التي تريدها تقاومها. كتبت، ثم شطبت، ثم كتبت مرة أخرى. --- وحين جمع المساعد الأوراق، وأعطى كلًّا منهم ملاحظة غيره بدلًا من تقريره الأصلي، وجد رائد ورقة سيرين أمامه. كانت ملاحظتها تقول: "التقرير يرصد الكذب، لكنه لا يرصد ما خلّفه الكذب وراءه. الكذب حدث، أما أثره في المكان وفي الأشخاص، فأهم من الحدث نفسه". قرأها مرتين، ثم نظر إلى ما كتبه هو: "التقرير يصف ما فعله الشاهد، لكنه لا يسأل لماذا". لم تكن الجملتان متطابقتين، لكنهما كانتا تشيران إلى الثقب نفسه، كلٌّ من جهته. وأزعجه ذلك على نحو يصعب عليه تفسيره. --- في الاستراحة، حين وقف رائد عند طاولة المياه، جاءت سيرين وأخذت كوبًا من غير أن تنظر إليه أولًا، ثم قالت: "الثنائي الذي كتب التقرير الذي وصلني لم يسأل أصلًا لماذا كان الشاهد يكذب". قال: "قرأتِ ملاحظتي إذن". قالت: "ملاحظتك كانت عن السبب، وملاحظتي عن الأثر؛ المسألتان متقاربتان". لم يقل لها: "أعرف". كان يعرف، لكنه لم يكن مستعدًا لقولها، فقال بدلًا من ذلك: "التقرير نفسه أخفق في شيء آخر أيضًا؛ لم يربط إجابة الشاهد بترتيب المكان". قالت: "لاحظتُ ذلك". نظر إليها سائلًا: "قرأتِ التقرير نفسه أيضًا؟" قالت: "مررت عليه سريعًا قبل أن تُجمع الأوراق، وكان ذلك كافيًا". ثم شربت الماء، وأعادت الكوب إلى مكانه وأضافت: "الثنائيان اللذان كتبا التقرير لم يكتباه معًا فعلًا؛ كل واحد منهما كان يكتب بطريقته إلى جوار الآخر". سألها: "كيف عرفتِ؟" أجابت: "الأسلوب يتبدل في منتصف الصفحة الثانية؛ الجملة الأولى من كل فقرة تُصاغ بنبرة، والجملة الأخيرة بنبرة أخرى". نظر إليها وقال: "أنتِ قارئة عجيبة". فقالت ببرود: "وأنت تلاحظ الأشياء في غرف لا تعنيك". لم يكن ذلك هجومًا، بل كان وصفًا، والفرق بين الاثنين واسع. --- بعد انتهاء الحصة، وبينما بدأ المتدرّبون بالخروج، نادى المساعد ثلاثة أسماء طالبًا منهم البقاء، من بينهم: رائد وسيرين. قال لهم: "لدينا مواد أرشيفية تدريبية تحتاج إلى فرز قبل الجلسة القادمة. سنصنّفها بحسب النوع والتاريخ. لن يطول الأمر". قالها بالنبرة التي تجعل عبارة "لن يطول الأمر" موضع شك. --- كانت الغرفة الجانبية التي أُدخلوا إليها أقل رسمية من بقية المبنى. رفوف عالية، وصناديق مرقّمة، وضوء أبيض بالشدة نفسها لكنه يُصدر أزيزًا خافتًا يشي بقِدَم المصابيح. وعلى الطاولة الطويلة في المنتصف: حزم ملفات مربوطة، وملصقات تصنيف فارغة، وقلمان لا غير. أشار المساعد إلى الحزم وقال: "القديمة تذهب إلى الصندوق الأزرق، والتدريبية المعدّة حديثًا إلى الأصفر. وما لا تعرفون فئته، ضعوه جانبًا وسأتحقق منه أنا". ثم خرج. --- أما المتدرّب الثالث، وكان اسمه كريم، فبدأ بسرعة: تناول الحزمة الأولى، وأخذ يفرزها بحسب التاريخ المكتوب على الغلاف. أما رائد وسيرين، فبدآ بحزمة أخرى. لم يتفقا سلفًا على كيفية التقسيم، بل فعلاه تلقائيًا كأن الأمر حُسم وحده: هي تمسك الملف وتقرأ الغلاف، وهو يتحقق من التصنيف الداخلي ويحدّد الصندوق. توزيع للأدوار بلا كلام، كما تتشكل بعض الأشياء من غير أن يقررها أحد. وكان الصمت أقل ثقلًا من المعتاد. --- في الحزمة الثالثة، توقّف رائد. كان غلاف الملف بلون البيج الداكن، ويبدو أقدم من البقية. عليه ختم تصنيف روتيني، لكن في الزاوية السفلية اليسرى كُتب بخط صغير أزرق: م.خ - 04. أمسكه من غير أن يتغير وجهه، وفتح الغلاف. كانت الصفحة الأولى نموذجًا من قضية سرقة تجارية، الأسماء فيها مشطوبة بخط سميك، والتواريخ باقية. لكن في الهامش الأيمن، بخط يختلف عن خط التقرير الرئيسي، كُتبت عبارة واحدة: "مُدرج ضمن الملف التمهيدي. لا يُستعمل منفردًا". ملف تدريبي مستمد من أرشيف فعلي، وموسوم بألا يُستعمل وحده؛ أي إنه جزء من شيء أكبر، وذلك الشيء الأكبر له رمز، والرمز ينتمي إلى سلسلة. وضعه في كومة "ما لا أعرف فئته"، ولم يقل شيئًا. --- وبعد عشر دقائق، رفعت سيرين ملفًا باللون نفسه. نظرت إلى غلافه، ثم نظرت إلى الكومة الجانبية، ثم إلى الملف الذي وضعه رائد فيها. وقالت بصوت منخفض لا يصل إلى كريم: "اللون نفسه". قال رائد: "نعم". سألته: "والرمز؟" أجاب: "م.خ - 04 في ذاك. وما الذي في يدكِ؟" قلّبت الغلاف وقالت: "م.خ - 06". ثم وضعته في الكومة من غير أن تضيف شيئًا، لكن يدها بقيت على الملف لثانية إضافية قبل أن تتركه. --- وبعد أن أتمّوا الفرز، وخرج كريم يصفق لنفسه تصفيقًا ساخرًا بعد أن أنهى حزمتين كاملتين، بقي رائد وسيرين في الغرفة لحظة وحدهما. كانت تنظر إلى الكومة الجانبية التي صار فيها الآن ثلاثة ملفات، كلها بغلاف البيج الداكن. قالت: "أسماء مشطوبة، وتواريخ محفوظة، وهوامش تشير إلى ملفات أصل غير موجودة هنا". قال: "نعم". أضافت: "هذه ليست مواد تدريبية معدّة". قال: "لا، أو ليست ذلك فقط". نظرت إليه وقالت: "أنت تحتفظ بما لا تفهمه". قال: "لأن ما لا يُفهم في البداية قد يكون الأهم لاحقًا". قالت: "أو لأنه يشغلك أكثر مما ينبغي". قال: "وأنتِ تميلين إلى ترك ما لا يجيبك بسرعة". توقفت، ثم قالت بهدوء غير مألوف: "ليس دائمًا". --- جمعا أغراضهما، وأطفأ رائد الضوء الجانبي قبل الخروج. وقبل أن يصل إلى الباب، التفت. كانت سيرين لا تزال عند الطاولة، واقفة أمام الكومة الجانبية. لم تمسّ الملفات، بل كانت تنظر إليها بالطريقة نفسها التي تنظر بها إلى الوجوه حين تقرؤها، كأن الملفات الثلاثة شيء يمكن قراءته إذا عرفت من أين تبدأ. لم يقل لها شيئًا، بل أكمل طريقه إلى الباب وخرج. --- في تلك الليلة، فتح رائد الدفتر، وكتب: "م.خ - 04. م.خ - 06. م.خ - 07. م.خ - 09. أربعة أرقام من سلسلة واحدة. والفجوات بينها: 05 و08. وما قبل 04 لا أعرفه، وما بعد 09 لا أعرفه. سلسلة ناقصة من طرفيها ومن وسطها". توقف قليلًا، ثم كتب: "سيرين لاحظت. لم تسأل بصوت عالٍ، لكنها لاحظت. وهذا يعني أن الأمر لم يعد يشغلني وحدي". ثم كتب، بعد سطر فارغ: "المواد التدريبية مستمدة من أرشيف فعلي، وملاحظة الهامش تقول: لا يُستعمل منفردًا. معنى ذلك أن الملفات قُطعت من شيء أكبر، وهذا الشيء الأكبر لا يزال في مكان ما". أغلق الدفتر، ثم فتحه مرة أخرى وأضاف جملة أخيرة لم يخطط لها: "حين تعمل سيرين خارج الضغط المباشر، تصمت بطريقة مختلفة. ليس ذلك برودًا، بل هو أقرب إلى التركيز الذي يسبق السؤال الصعب. هذا ليس إعجابًا، هذا أيضًا تقييم. لكن هذه الجملة تحتاج إلى مراجعة". لم يراجعها، وأغلق الدفتر. --- × × × --- وفي تلك الليلة، قبل أن تنام سيرين، فتحت هاتفها، وكتبت في تطبيق الملاحظات الذي لا يعرف أحد أنها تستعمله: "م.خ. سلسلة. مصدر غير تدريبي. أسماء مشطوبة بعناية، لا بإهمال". ثم توقفت، وكتبت: "رائد رآها قبلي". ثم أغلقت الهاتف، لكنها لم تنم مباشرة. --- [نهاية الجزء الخامس] ---