الجزء 6
الفصل 1: شرارة البداية
الجزء 6
الفصل 1: شرارة البداية
الجزء 6
### الجزء السادس: السلسلة الناقصة
---
في الصباح، قبل أن تبدأ الحصة، مرّت عربة أرشيف في الممر الخارجي. لم يكن لدى رائد سببٌ لينظر إليها، لكنه نظر. مرّت عيناه على الصناديق المرصوصة فيها بالطريقة التي تمرّ بها العين على شيء تبحث عنه من غير أن تسمّيه. لم يكن بينها شيء بلون البيج الداكن، مجرد صناديق زرقاء عادية، فأكمل طريقه إلى القاعة. لكنه حين جلس ونظر نحو الغرفة الجانبية، لاحظ أن بابها موارب قليلًا، بينما كان بالأمس موصدًا. نظر إلى الصف الأمامي؛ كانت سيرين تكتب شيئًا على هاتفها بسرعة، ثم رفعت عينيها نحو الباب الموارب قبل أن تعود إلى هاتفها. لم يكن رائد متأكدًا أنها نظرت إلى الباب نفسه الذي نظر إليه، لكنه لم يكن يخطئ كثيرًا فيما يلاحظه.
---
بدأت الحصة بتمرين قصير عن تحليل التصريحات المتناقضة. كان هذا النوع من التمارين يأتيه بعفوية كأنه من طبعه، فجلس يعمل بهدوء، بينما كان بعض المتدرّبين حوله لا يزالون يتلمّسون طريقة التعامل مع المادة. وفي منتصف الحصة دخل المساعد بورقة وهمس بشيء للمشرف، فأومأ المشرف، ثم رفع صوته بما يكفي ليصل إلى الجميع: "حين تنتهون من التمرين، أحتاج إلى أربعة منكم للبقاء لاستكمال الفرز. الجلسة الكبرى بعد يومين، وما يزال ثلث المواد غير مصنّف". لم يذكر أسماءً في تلك اللحظة، لكن رائد كان يعرف.
---
وحين ذُكرت الأسماء الأربعة بعد انتهاء التمرين، كان اسماهما بينها، مع كريم ومتدرّبة جديدة لم يسبق لهما التحدث إليها اسمها لمى؛ هادئة وسريعة ولا تلفت الانتباه. دخلوا الغرفة الجانبية؛ هذه المرة كانت الصناديق أكثر، مصطفّة على امتداد الجدار الأيسر، وعلى الطاولة الطويلة أكوام جديدة من الحزم، وكانت رائحة الورق القديم أثقل من المرة السابقة. قال المساعد: "النظام نفسه: القديم في الأزرق، والتدريبي الجديد في الأصفر، وغير المحدّد ضعوه جانبًا. ولا تفتحوا أي ملف يحتاج إلى مفتاح أو يحمل ختمًا أحمر". ثم خرج، وبدؤوا.
---
أخذ كريم ولمى الجهة اليمنى، أما رائد وسيرين فانتهيا تلقائيًا إلى الجهة اليسرى حيث الصناديق الأقدم. لم يتفقا على ذلك، بل حدث الأمر من تلقاء نفسه. في الدقائق العشر الأولى، كان العمل صامتًا تمامًا؛ رائد يقلّب الحزم ويتفحّص أغلفتها ثم يضعها في مكانها، وسيرين تفتح بعض الملفات وتمرّ سريعًا على صفحاتها الأولى قبل أن تصنّفها. وفي الحزمة الثالثة، أخرج رائد ملفًا بلون البيج الداكن، ووضعه على الطرف الأيسر من الطاولة من غير تعليق. وبعد دقيقة، أخرجت سيرين ملفًا من حزمتها باللون نفسه، ووضعته إلى جوار الأول، ولم ينظر أيٌّ منهما إلى الآخر.
---
كان الملف الذي أمسكه رائد يحمل الرمز: م.خ - 03. فتحه بهدوء، فوجد في داخله تقريرًا عن تسوية مالية، وهو نوع مختلف تمامًا عن ملفات السرقة التجارية في الحزمة السابقة. الأسماء مشطوبة كالمعتاد، لكن في آخر صفحة، في هامش سفلي، كُتب بخط أصغر: "الإفادة المكمّلة: م.خ - 02". نظر إلى الملفات التي جمعاها حتى تلك اللحظة: 04، 05، 06، 07، 09. لا وجود لـ 02، ولا لـ 01، ولا لـ 08. وهذا الملف يذكر 02 باعتباره مرجعًا أساسيًا؛ أي إن 02 ليس رقمًا وحسب، بل وثيقة كاملة تشكّل مع غيرها صورة ما، وهي وثيقة كاملة غائبة.
---
وفي الوقت نفسه تقريبًا، رفعت سيرين رأسها وقالت: "انظر". فتحت الملف الذي أمسكته وأدارته نحوه. كان م.خ - 08، لكن هذا لم يكن ما تشير إليه، بل كانت تشير إلى الهامش الأيمن في الصفحة الثانية. كُتب بخط مختلف عن خط التقرير، وبقلم يبدو أحدث من الورق نفسه: "نسخة تدريبية منقّحة. يُحفظ الأصل في القسم الداخلي". قرأ الجملة مرتين؛ يُحفظ الأصل في القسم الداخلي. هذا يعني أن الملف الذي بين أيديهما ليس الأصل، بل نسخة معدّلة من ملف آخر موجود في مكان آخر داخل المبنى. قال: "هل البقية كلها هكذا؟" قالت: "لا أعرف". وبدآ يفتحان الملفات الأخرى واحدًا تلو الآخر.
---
م.خ - 04: "مُدرج ضمن الملف التمهيدي". م.خ - 05: "يُضمّ إلى الأصل". م.خ - 06: لا هامش، لكن في الصفحة الأخيرة كلمة واحدة مشطوبة بعناية وفوقها ختم: "منقّح". م.خ - 07: "نسخة تدريبية منقّحة"؛ العبارة نفسها حرفًا بحرف كما في الثامن. م.خ - 09: لا هامش، نظيف تمامًا. وهذا وحده كان مثيرًا للانتباه.
---
قال رائد بصوت منخفض لا يصل إلى الجهة اليمنى: "هذه الملفات لم توضع هنا عبثًا". قالت سيرين: "ولا شُطبت أجزاؤها هكذا عبثًا". قال: "أحدهم فرّقها". نظرت سيرين إلى الملفات المصطفة على الطرف الأيسر من الطاولة وقالت: "وأحدهم قرر أيّ الأسماء تبقى مقروءة، وأيّها لا". قال: "الشطب ليس عشوائيًا". قالت: "لا، الشطب في الصفحة الأولى دائمًا، والأسماء في الصفحات الداخلية تظهر أحيانًا جزئيًا". وأشارت إلى م.خ - 05: "هنا حرفان بقيا: ن.خ. من يكون؟" قال: "قد يكونان اسمًا، وقد يكونان رمزًا لقسم". قالت: "أو شخصًا".
---
دخل كريم إلى جوارهما فجأة يحمل حزمة يريد وضعها على الطاولة، فتوقفا عن الكلام بطريقة طبيعية لا مبالغة فيها. قال كريم: "هذه إدارية؟" وأشار إلى الحزمة في يده. قال رائد: "إلى الأصفر إذا كانت جديدة". قال كريم: "قديمة، وليس فيها تاريخ واضح". قال رائد: "ضعها جانبًا؛ المساعد يتحقق من هذه". أومأ كريم ووضعها قرب الباب ثم عاد إلى مكانه. نظرت سيرين إلى الباب حتى ابتعد كريم، ثم قالت بنبرة عادية كأنها تتابع حديثًا عن الفرز: "سبعة ملفات بين أيدينا، والأرقام 01 و02 و10 غائبة، وثلاثة على الأقل تشير إلى ملف أصل ليس هنا". قال: "يعني أن السلسلة كانت عشرة على الأقل". قالت: "أو أكثر؛ لا نعرف إن كان 10 هو الأخير".
---
وفي الصندوق الأخير الذي فتحه رائد قبل نهاية الوقت، وجد في قعره تحت ملفات إدارية ممزقة الأطراف، ورقة منفردة. لم تكن ملفًا، بل مجرد بطاقة فهرسة صفراء من النوع القديم الذي لم يعد أحد يستخدمه، مكتوبٌ عليها بخط يد رتيب مؤسسي: "م.خ – ملف تمهيدي. السلسلة: 01 إلى 10. التصنيف: داخلي / غير مخصص للتدريب. مسؤول الأرشيف: [مشطوب]. تاريخ إعادة التصنيف: [مشطوب]". قرأها، ثم قرأها مرة أخرى: غير مخصص للتدريب. إذًا فالمادة التي بين أيديهما في هذه الغرفة، والتي جاءت إليهما على أنها مواد تدريبية قديمة تُفرز استعدادًا لجلسات لاحقة، كانت في الأصل ملفًا داخليًا حقيقيًا لا علاقة له بالتدريب. شخص ما حوّله، وشخص ما شطب اسم من قرر التحويل.
---
أدار الورقة نحو سيرين من غير كلام. قرأتها، ولم تتكلم هي أيضًا لثوانٍ، ثم قالت بنبرة أقل حدّة من المعتاد، كأنها تفكر بصوت مسموع أكثر مما تصرّح: "ملف داخلي حقيقي، مبعثر داخل مواد تدريب. الأصول في القسم الداخلي. والأرقام الناقصة ربما ليست ضائعة". قال: "بل محفوظة في مكان لا يُعرض للفرز". نظرت إليه متسائلة: "من يفعل هذا؟" قال: "من يريد أن يبقى الملف موجودًا، لكن غير مقروء".
---
جاء صوت خطوات من الممر، فأعادا الورقة إلى قعر الصندوق بهدوء، من غير استعجال ومن غير حركة تلفت الانتباه؛ فقط أعاداها تحت الملفات الإدارية حيث كانت. مرّ المساعد من عند الباب الموارب من غير أن يدخل، وألقى نظرة سريعة على الغرفة فرأى أربعة أشخاص يعملون، فأومأ ومضى.
---
وحين انتهى الوقت وبدؤوا يجمعون أغراضهم، احتفظ كلٌّ من رائد وسيرين بشيء. فتح رائد دفتره لثانية واحدة وكتب: "م.خ - 01 إلى 10. غير مخصص للتدريب. إعادة تصنيف". أما سيرين فلم تفتح هاتفها، بل كتبت على زاوية صفحة من ورقتها التدريبية بخط صغير: "ن.خ."، ثم طوت الورقة ووضعتها في جيب حقيبتها. لم يرَ أحدهما الآخر وهو يفعل ذلك، لكن كليهما كان يعرف أن الآخر يفعل شيئًا مشابهًا.
---
في الممر، سارا جنبًا إلى جنب للحظة قبل أن تتفرق طرقهما. قالت سيرين من غير أن تنظر إليه: "الأرقام 01 و02 و10 غائبة، و03 يذكر 02 بوصفه مرجعًا أساسيًا". قال: "يعني أن من يريد فهم البداية يحتاج إلى ما ليس هنا". قالت: "وما ليس هنا في القسم الداخلي". قال: "الذي لا يُفترض بنا الاقتراب منه". لم تضف شيئًا، لكنها لم تقل أيضًا: "إذًا نتوقف". وكان هذا الصمت جوابًا.
---
في الليل، فتح رائد الدفتر وكتب: "السلسلة كانت ملفًا تمهيديًا حقيقيًا، عشرة ملفات على الأقل. جرى تفكيكها وتوزيعها داخل مواد تدريبية، والأصول في القسم الداخلي. من فعل هذا ترك أثرًا، لكنه أزال الأسماء. الأثر الذي يُزال جزئيًا ليس إهمالًا؛ من يزيل كل شيء يريد إخفاءً كاملًا، ومن يزيل بعض الشيء يريد أن يبقي الملف موجودًا لكن غير مكتمل، والملف غير المكتمل لا يُقرأ، لكنه لا يُحذف. لماذا يُبقيه أحدهم ناقصًا؟" توقف، ثم كتب: "سيرين حفظت: ن.خ. رأيتها تكتبها، ولم تذكرها لي. وأنا أيضًا لم أذكر لها ما كتبته. أول سر مشترك، أو أول سرّين منفصلين عن الشيء نفسه. الفرق مهم، لكنني لا أعرف بعد أيهما هو". ثم أغلق الدفتر.
---
× × ×
---
في تلك الليلة، فتحت سيرين تطبيق ملاحظاتها وكتبت: "م.خ. غير مخصص للتدريب. إعادة تصنيف من مجهول. السلسلة ممزقة بعناية. ن.خ. حرفان في هامش م.خ - 05. قد يكونان بداية اسم". توقفت، ثم كتبت: "هذا لم يعد فضولًا". وأغلقت التطبيق. ثم فتحته مجددًا وأضافت سطرًا واحدًا: "رائد سيتابع. وأنا أيضًا". ثم أغلقت الهاتف فعلًا، وظلت تنظر إلى السقف دقيقة كاملة قبل أن تطفئ المصباح.
---
[نهاية الجزء السادس]
---