الجزء 8
الفصل 1: شرارة البداية
الجزء 8
الفصل 1: شرارة البداية
الجزء 8
### الجزء الثامن: الاسم الثاني
---
في الصباح، قبل أن يدخل القاعة، وقف رائد لحظة عند نهاية الممر. لم يكن يفكر، بل كان يرتّب. فالناس حين يقولون إنهم يفكرون في الصباح الباكر، كثيرًا ما يعنون أنهم يرتبون ما أخلّ به الليل. وما أخلّ برائد لم يكن سؤالًا واحدًا، بل سؤالان متقاطعان لا يمكن حلّ أحدهما بمعزل عن الآخر: من كان نادر الخطيب في هذا الملف؟ ومن كان معه، أو بعده، أو بدله؟ الأول يؤلمه، والثاني قد يقوده إليه. وحين يكون لديك سؤالان ولا تستطيع أن تبدأ بالأول، فابدأ بالثاني. ثم دخل القاعة.
---
كانت سيرين تقرأ حين جلس. لم ترفع عينيها، لكنها حين وضع حقيبته على الطاولة، قالت بصوت لا يتجاوز المقعد المجاور: "المكتبة التدريبية مفتوحة حتى الرابعة". قال: "أعرف". قالت: "فيها سجلات إحالات الإدارة الداخلية. قديمة، من قبل أن يتحول كل شيء إلى النظام الرقمي". قال: "سيبدو الأمر غريبًا إذا بحثنا فيها من غير سبب". قالت: "لدينا سبب". وأشارت بطرف قلمها إلى الورقة التدريبية على طاولته: "تمرين اليوم عن إغلاقات الملفات غير المكتملة، ويطلب منا الرجوع إلى مصادر، وهذه مصادر". وضعت القلم وعادت إلى قراءتها. لم يقل شيئًا، لكنه فهم: الغطاء موجود، وبقي البحث.
---
كان التمرين في تلك الحصة عن طريقة تصنيف الملفات المغلقة بصفة "إدارية"، وكيفية التمييز بين الإغلاق الإجرائي والإغلاق الناقص. مادة جافة، لكنها أعطتهما ما احتاجاه: سببًا حقيقيًا للجلوس في المكتبة بعد الظهر. وحين سأل المشرف عن أمثلة، قال رائد إنه يريد مراجعة حالات نقل الملفات بين الأقسام. سأله المشرف عن الهدف، فأجاب رائد بأنه يريد فهم الفرق بين النقل الإجرائي والنقل الناتج عن توقف التحقيق. أومأ المشرف وقال: "في المكتبة سجلات إحالة قديمة، ستكون مفيدة".
---
دخلا المكتبة بعد الظهر مع ثلاثة آخرين من المتدرّبين: كريم، ولمى، وشخص لا يحفظ أحد منهما اسمه جيدًا؛ يأتي مبكرًا دائمًا ويخرج بعد الجميع. كانت المكتبة واسعة بما يكفي ليعمل كل واحد بعيدًا عن الآخر. وقف رائد وسيرين أمام الرفوف الجانبية بعد دقيقة من الدخول. قال رائد بصوت مكتبة، أي بما يكاد لا يُسمع: "أنا آخذ سجلات الإحالة بين الأقسام والتواريخ". وقالت: "وأنا آخذ سجلات النقل الوظيفي وقوائم التكليف". لم يستغرق الاتفاق أكثر من جملتين، لكنهما كانتا أول جملتين يقولانهما بوصفهما ثنائيًا يعرف ما يفعله. أخذ كل واحد منهما مجلده، وجلسا إلى طاولتين متجاورتين تفصل بينهما مسافة تبدو كافية لمن يمر، وقريبة بما يكفي لمن يريد تمرير ورقة.
---
كان مجلد رائد ثقيلًا بالمعنى الحرفي. صفحاته مصفرة، ومفهرسة بخط يد متعب، وتواريخه مطبوعة بآلة قديمة تترك حروفها ثقيلة أحيانًا وباهتة أحيانًا أخرى. بدأ من آخر تاريخ يعرف أنه مرتبط بسلسلة م.خ، وعاد منه إلى الخلف. إحالات كثيرة معظمها روتيني: قضايا تنتهي إلى أقسام مختلفة، وملفات تُرسل إلى الأرشيف، ومراجعات تُحال إلى رئاسة القسم. لكن في الصفحة الحادية والعشرين من المجلد الثاني، بين إحالة عادية وأخرى، كان هناك سطر يختلف عن غيره في كثافة طباعته واختصاره معًا: "إحالة: طلب التوسيع في المراجعة رقم [...]، م.خ. رُفض الطلب. يُغلق ملف النشاط". وتحته مباشرة، بخط يد أصغر كأنه أُضيف لاحقًا ولم يُدرج في الطباعة الرسمية: "المحقق المشرف: ح. نجيب".
---
مرّر الورقة إلى يد سيرين تحت حافة الطاولة. أمسكتها من غير أن ترفع عينيها عن مجلدها، وبعد دقيقتين مرّرت هي ورقتها نحوه. كانت قائمة نقل وظيفي تضم خمسة أسماء، والاسم الثالث: "حسام نجيب، محقق مساعد، نُقل إلى إدارة المتابعة الإدارية بطلب من القسم الداخلي". وتاريخ النقل: بعد أسبوعين من تاريخ رفض طلب التوسيع في المجلد الذي أمامه. أسبوعان.
---
لم يقولا شيئًا مباشرة بعد ذلك. وضع رائد الورقتين إلى جوار بعضهما، ونظر إلى التسلسل: طلب التوسيع، رفضه، نقل صاحبه بعده بأسبوعين. لم يكن هذا تزامنًا، بل كان سياسة. وفي المقابل: الملف التمهيدي أُحيل إلى نادر الخطيب. ونادر أكبر من حسام نجيب في القيمة المهنية، وهذا يعني أن الملف لم يُترك بعد رحيل نجيب، بل نُقل إلى من يُفترض أنه سيكمله. لكن نادر أيضًا اختفى اسمه من المكان الذي كان ينبغي أن يظهر فيه. وهذا يعني أن الملف فقد محققَين، وأن الملف ما زال ناقصًا.
---
بعد ربع ساعة من الصمت العملي، عثرت سيرين على شيء في مجلد ثانٍ أخذته من الرف. كان مجلد متابعات إدارية، وهو أقل انتظامًا من سجل النقل وأقرب إلى مذكرات يومية بخط مختلف في كل صفحة. وفي أواخره، وجدت صفحة ممزقة الزاوية: "متابعة: شاهد قضية م.خ الأصلية. تاريخ الوفاة الرسمي: [تاريخ]. ملاحظة نجيب: طلب التحقق من آخر حركة مثبتة على بطاقة الشخص. لم يُستجَب". وتحتها، بخط مختلف يبدو لاحقًا: "أُغلق ملف الوفاة. لم يُغلق ملف الشخص".
---
مرّرت الورقة إليه. قرأها، ثم قرأها مرة أخرى: "أُغلق ملف الوفاة. لم يُغلق ملف الشخص". الجملة لا تقول إنه حي، لكنها تقول إن أحدًا ما لم يقتنع بأنه ميت. وذلك الأحد هو حسام نجيب، الذي طلب التحقق من آخر حركة مثبتة على بطاقة الشاهد بعد تاريخ الوفاة الرسمي، ولم يُستجَب لطلبه، ثم نُقل. أغلق رائد المجلد ببطء مقصود.
---
في تلك اللحظة، اقترب كريم من الرف القريب منهما يبحث عن شيء. نظر إليهما بفضول عابر وسأل: "وجدتما ما تبحثان عنه؟" قال رائد: "أمثلة على إغلاقات ناقصة، نعم". قال كريم: "كثير منها هنا. مملّة معظمها". ابتسم، وأخذ مجلده وعاد إلى طاولته. بقيا في مكانيهما ثلاثين ثانية أخرى بلا حراك، ثم قالت سيرين بنبرة تمرين، أي بنبرة لا تحمل شيئًا لمن يسمع من بعيد: "الإغلاق الناقص يحتاج إلى مصدر ثانٍ للتأكيد". قال: "أعرف". قالت: "والمصدر الثاني لا يكون في الأرشيف نفسه عادة". فهم ما تعنيه؛ المصدر الثاني هو حسام نجيب نفسه. وحسام نجيب نُقل إلى إدارة المتابعة الإدارية، وهذه الإدارة ليست بعيدة، لكنها خارج نطاق التدريب. قال: "لا نستطيع الوصول إلى إدارة المتابعة". قالت: "لا، لكن قد نستطيع أن نعرف إن كان لا يزال فيها".
---
أعادا المجلدات إلى أماكنها قبل الرابعة بربع ساعة. وحين خرجا من المكتبة إلى الممر، كانت الإضاءة قد بدأت تميل إلى ذلك الأصفر الخافت الذي يأتي مع نهاية دوام المبنى. قالت سيرين: "حسام نجيب. نُقل بطلب من القسم الداخلي". قال: "بعد أسبوعين من رفض طلبه". قالت: "وطلبه كان التحقق من حركة بطاقة الشاهد بعد تاريخ الوفاة". قال: "ولم يُستجَب له". قالت: "ثم نُقل". توقفا عند منتصف الممر، ولم يكن أحد حولهما. قالت: "إذا كان حسام نجيب لا يزال في إدارة المتابعة، فهو ليس اسمًا في سجل فقط". قال: "وإذا كان قد تابع ما بدأه من هناك، فقد يكون لديه ما لم يُدرج في أي مجلد". قالت: "أو يكون قد توقف". قال: "أو لا يزال يتذكر". نظرت إليه وقالت: "هل تقترح ما أظن أنك تقترحه؟" قال: "لا أقترح شيئًا بعد. أقول إن الخيط التالي اسمه حسام نجيب، وإنه ليس ورقة في أرشيف". قالت: "بل شخص". قال: "نعم".
---
في الليل، فتح رائد الدفتر وكتب: "حسام نجيب. محقق مساعد. طلب توسيع مراجعة م.خ، فرُفض طلبه ونُقل بعد أسبوعين. وقبل النقل طلب التحقق من آخر حركة على بطاقة الشاهد بعد تاريخ وفاته، ولم يُستجَب له. أُغلق ملف الوفاة، ولم يُغلق ملف الشخص. من كتب هذه الجملة في المذكرة؟ ليس نجيب بالضرورة، فالخط مختلف. وهذا يعني أن شخصًا آخر داخل المنظومة لاحظ الشيء نفسه وكتبه من غير أن يوقّع". توقف، ثم كتب: "الشاهد قد لا يكون ميتًا. هذا ليس استنتاجًا بعد، بل هو سؤال، والفرق بينهما كبير. نادر في الإحالة، نجيب في النقل، الشاهد في الوفاة المشكوك فيها. ثلاثة أسماء. أحدها لا أريد أن أشك فيه، لكن ما لا أريده ليس معيارًا للعمل". أغلق الدفتر، ثم فتحه مرة أخرى وأضاف سطرًا بخط أصغر: "سيرين قالت: الخيط التالي اسمه حسام نجيب، وهو ليس ورقة في أرشيف، بل شخص. قالتها بنبرة من يذكّر بأن البحث انتقل إلى مستوى آخر. أعرف أنه انتقل، وأعرف أن هذا المستوى لم يعد تدريبًا".
---
× × ×
---
في تلك الليلة، كتبت سيرين في تطبيقها: "حسام نجيب. موجود في إدارة المتابعة، أو كان فيها، ولا نعرف ما بعد النقل. الشاهد: وفاة رسمية، لكن آخر حركة على بطاقته لم يُتحقق منها، ومن طلب التحقق نُقل. هذا ليس نمطًا بعد؛ هذه ثلاث وقائع تتجه في الاتجاه نفسه، وثلاث وقائع تكفي لتشكيل فرضية". توقفت، ثم كتبت: "رائد يعرف أن ما نفعله لم يعد تدريبًا. لا أعتقد أن هذا سيوقفه، ولا أعتقد أنه سيوقفني. الفرق أنه يحمل اسم نادر كثقل، وأنا أحمل الخيط بوصفه مسارًا. الأول أصعب".
---
[نهاية الجزء الثامن]
---