الجزء 2
الفصل 1: أيام ما قبل الشرخ
الجزء 2
الفصل 1: أيام ما قبل الشرخ
الجزء 2
الجزء الثاني: صمت لا يشبهها
____________________
حين لم يجد ردًا في الصباح، لم يفاجأ.
وهذا ما أخافه أكثر من الصمت نفسه.
الساعة السادسة وأربع دقائق.
فتح عينيه قبل المنبّه بأربع عشرة دقيقة، وهو شيء لا يحدث له عادةً. لم يكن جسده مستعجلًا، بل كان قلقًا، وهناك فرق بين الاثنين لا يعرفه إلا من نام وبعض عقله ظلّ يقظًا طوال الليل، يحرس بابًا لم يطرقه أحد.
مدّ يده إلى الهاتف قبل أن يمدّها إلى النور.
شاشة سوداء.
لا شيء.
أعاده إلى مكانه، وقام، وذهب إلى المطبخ.
ملأ الغلاية بالماء وأشعلها، ثم وقف أمامها ينتظر. لم يكن لديه ما يفعله في تلك الدقائق سوى الوقوف، وكان الوقوف ثقيلًا في صباح ذلك اليوم. نظر إلى النافذة. الضوء الخارجي لا يزال رماديًا. الشارع لا يزال نائمًا. وهو وحده واقف في مطبخه يسمع صوت الماء يقترب من الغليان.
وفقط حين انطفأت الغلاية تلقائيًا أدرك أنه نسيها.
لا الماء. لا الكوب. لا شيء.
وقف أمام غلاية أتمّت عملها وحدها، وهو لا يزال ينظر إلى النافذة، كأن الشارع الرمادي وعده بجواب.
في المقهى، طلب قهوته وتركها أمامه.
لم يكن ينتظر أن تبرد هذه المرة. كان ينتظر أن يجد سببًا لأن يرفعها.
أخرج هاتفه، فتح محادثتها، وبدأ يقرأ. ليس من آخرها، بل من أبعد نقطة استطاع أن يتذكرها: شهر مضى، شهران، ثلاثة. مرّ بالرسائل ببطء، كمن يقرأ وثيقة يحاول أن يفهم أين بدأ الخطأ فيها.
"يا آدم، أين أنت؟ مرّت ساعتان من دون ردّ."
"آدم. آدم. آدم. ثلاث رسائل ولا جواب، غدًا سأحاسبك."
"أحضرت قهوتك اليوم؟ أم نسيت كعادتك؟"
تلك كانت مريم قبل شهرين.
ثم بدأ يتقدم ببطء نحو الأحدث. كانت الرسائل تطول أحيانًا وتقصر أحيانًا، لكن شيئًا ما تغيّر تدريجيًا في نسيجها. قلّت علامات التعجب. قلّت أسماؤه. وبدأت ردودها تنتهي عند نقطة بلا ذيل. كأن كلامها اعتاد أن يجرّه إلى الكلام التالي، ثم فجأة قرر أن يقف.
وجد اللحظة التي يبحث عنها.
قبل خمسة وعشرين يومًا.
كان قد أرسل لها صورة لمطعم افتتح حديثًا، وكتب: "يقولون إن طعامهم ممتاز، أتريدين أن نذهب؟"
ردّت بعد ساعتين: "إن شاء الله."
فقط.
قبل ذلك، كان "إن شاء الله" يعني عندها نعم، ويعني سؤالًا عن الموعد، وملاحظةً عن أن الطعام في المطاعم الجديدة لا يفي بوعده دائمًا. كانت كلمتان تفتحان بابًا.
أما في تلك الرسالة، فكانتا كلمتين تغلقانه.
كتب لها:
"مريم، هل كلّ شيء على ما يرام؟"
أرسل.
عدّ البلاطات المقابلة على الرصيف من خلف زجاج المقهى. واحدة، اثنتان، ثلاث، أربع، خمس. ثم بدأ من جديد.
بعد دقيقتين، وضع الهاتف.
شرب القهوة وهي باردة.
لم يلاحظ.
"ما الذي يشغل بالك اليوم؟"
رفع رأسه. كان حسن، صاحب المقهى، يمسح الطاولة المجاورة وينظر إليه بطريقة فيها فضول لا يتعمد إخفاءه.
"لا شيء. أشعر ببعض التعب."
"قهوتك باردة."
"أعلم."
أومأ حسن وواصل عمله. لكن آدم لاحظ أنه أبطأ خطوتين قبل أن يبتعد. حسن يعرفه منذ ثلاث سنوات، ويعرف أن القهوة الباردة عنده لا تعني التعب، بل تعني أن رأسه في مكان آخر تمامًا.
لكنه لم يسأل ثانيةً.
وكان ذلك أرحم.
في منتصف النهار، حاول أن يتصل بها.
رنّ الهاتف مرة. مرتين. ثلاثًا.
ومع الرنة الرابعة، أنهى الاتصال.
لم يُكمل.
لم يكن ذلك خوفًا من الرفض، بل كان شيئًا أصعب: خوفه من أن يرنّ طويلًا من دون أن تردّ، وأن يعرف في تلك الدقيقة بالضبط ما الذي يعنيه ذلك.
أعاد الهاتف إلى جيبه وأكمل مشيه.
كان الشارع حوله صاخبًا كعادته. سيارات، وأصوات، وأناس لديهم أماكن يذهبون إليها. وهو وحده يمشي دون أن يعرف إلى أين تحديدًا.
مرّ من أمام صالون التصفيف الذي كانت تذهب إليه أحيانًا.
لم يقصد ذلك.
أو ربما قصده وأقنع نفسه بأنه لم يقصد.
وقف على بعد بضع خطوات. الواجهة الزجاجية، الستارة البنية، أول كرسي إلى اليسار في الداخل. لم تكن هناك. بالطبع لم تكن هناك. لم يكن يتوقع أن تكون.
لكنه توقف على أي حال.
رأى صاحبة الصالون تلتفت نحوه من الداخل، فتعرفه، ثم تعيد نظرها سريعًا إلى ما كانت تفعله.
لم تُلوّح. لم تبتسم.
مع أنها كانت دائمًا تلوّح له.
أكمل مشيه.
عدّ أعمدة الإنارة على يمينه. واحد، اثنان، ثلاثة. ثم توقف عن العدّ، لأنه لاحظ أنه يعدّ بصوت خافت يكاد يكون مسموعًا، وهذا لم يحدث له من قبل. كان العدّ عنده دائمًا صامتًا، داخليًا، خفيفًا. أما اليوم، فكأن داخله صار مشغولًا جدًا حتى سرّب العدّ إلى الخارج.
جلس على مقعد في نهاية الشارع.
أخرج هاتفه.
كتب لها:
"مضى يومان يا مريم. لا أطلب تفسيرًا، لكن أخبريني فقط أنّكِ بخير."
أرسل.
ثم أضاف رسالة ثانية، وحذفها قبل الإرسال.
ثم أضاف ثالثة، وحذفها أيضًا.
وبقي الكلام الذي أرسله وحده في الشاشة، قصيرًا، محتاطًا، مصنوعًا بعناية، كمن يطرق بابًا ويخاف من قوة طرقه أكثر مما يخاف من عدم الفتح.
في المساء، ظهر الإشعار.
رأى اسمها على الشاشة، وشعر بشيء يقفز في صدره.
فتح الرسالة.
"سأتحدث إليك لاحقًا."
خمس كلمات.
لا اسمه. لا دفء. لا شيء يشبه الطريقة التي كانت تكتب بها.
خمس كلمات رسمية، بينها وبينه مسافة لم تكن موجودة قبل شهر. مسافة اختارتها بعناية أو بلا مبالاة، وكلاهما مخيف بطريقته.
قرأها ثلاث مرات.
ثم أغلق الشاشة.
في الطريق إلى البيت، مرّ من أمام المخبز الذي يفتح حتى العاشرة ليلًا. كان هناك رجلان يتحدثان عند المدخل، وكان يعرف أحدهما، جارًا قديمًا اسمه أبو فراس، رجل يعرف كل شيء عن كل أحد في الحي بطريقة لا تبدو متعمدة.
أومأ آدم له، فأومأ أبو فراس، ثم نظر إليه نظرة ثانية فيها شيء. ليس شفقة، ولا معرفة مؤكدة، بل شيء بين الاثنين. كأنه يعرف شيئًا، ويتساءل في الوقت نفسه: كم يعرف آدم؟
انصرف آدم سريعًا.
لكن في اللحظة التي ابتعد فيها، سمع من ورائه كلمتين فقط، خرجتا من حديث أبي فراس مع الرجل الآخر، جزءًا من جملة لم يسمع بقيتها:
"... مريم وحسام..."
توقف.
لم يلتفت.
ظلّت الكلمتان في هواء المساء لثانية واحدة، ثم ابتلعهما صوت الشارع. لكن آدم سمعهما. وجسده سمعهما قبل عقله.
اسمها. واسم آخر.
اسم لا يربطه بها بأي شيء يعرفه.
مشى. لم يسرع ولم يبطئ. مشى بالخطوة نفسها التي حفظها هذا الرصيف منذ سنوات: يسار الجدار، يمين الشجرة، خطوة أوسع عند البلاطة المكسورة.
لكن يده في جيبه كانت تعدّ.
واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة.
مرة بعد مرة.
بلا توقف.
في البيت، جلس على حافة السرير ولم يشعل الضوء.
الهاتف في يده.
"سأتحدث إليك لاحقًا."
خمس كلمات فيها برد غريب.
ومريم وحسام في جملة لم يسمعها كاملة.
لم يسأل نفسه من هو حسام.
لأنه في العمق بدأ يخشى أنه يعرف.