حكاياتي

الفصل 1: أيام ما قبل الشرخ

الجزء 3
الجزء الثالث: الخبر الذي لم يطرق الباب _____________________ بعض الأخبار لا تحتاج إلى أن تُقال كاملة. يكفي أن تسقط منها كلمتان في المكان الخطأ، ليقضي الإنسان الليل كله يحاول جمع الجملة التي ستحطمه. لم ينم. ولم يتقلب كثيرًا أيضًا. بل استلقى في الظلام بعينين نصف مفتوحتين، وجسد لا يصدّق أنه لم يسترح بعد، ورأسه يعيد الكلمتين: مريم وحسام. مريم وحسام. لم يكن يحاول أن يفهم من يكون حسام. كان يخاف فقط أن يفهم لماذا جاء اسمه إلى جوار اسمها بتلك السهولة، وكأنهما كلمتان في جملة يعرفها الجميع منذ وقت. وحين جاء الصباح، لم يأتِ بإجابة. أتى فقط بضوء رمادي آخر، ومطبخ فارغ، وغلاية أشعلها ثم نسيها مرة ثانية. خرج مبكرًا. لم يكن يعرف إلى أين، لكن البقاء في الغرفة مع تلك الكلمتين صار أثقل من المشي في شارع لا يعدّ خطواته فيه. مشى. بلا وجهة تمامًا في البداية، ثم وجد قدميه تعرفان الطريق قبله: نحو الحي الذي تسكن فيه مريم. لم يقرر ذلك. أو هكذا أقنع نفسه. توقف قبل الشارع الرئيسي بمسافة كافية حتى لا يبدو كمن يقف ويراقب، وبقي هناك دقائق. لم يرَ شيئًا يفيده. بيوت، أبواب، صباح عادي. كأن الشارع لم يسمع ما سمعه هو أمس. انصرف. في السوق القريب من حيّه، دخل يبحث عن لا شيء بعينه. المكان مألوف. الخضروات على اليسار، والبقالة في العمق، وعند المدخل دائمًا حلقة صغيرة من النساء يتحدثن. كان يمر بهن كل يوم دون أن يلتفت. الكلام العابر في الأسواق لا يُسمع حين يكون الرأس في مكان آخر. لكن اليوم، كان رأسه في كل مكان في آن واحد. سمعهن قبل أن يصل إليهن. صوت أول: "...العرس كان هادئًا، لم يدعوا كثيرًا من الناس..." صوت ثانٍ: "هذا طبيعي، فهو رجل لا يحب الضجيج. قالوا إنه..." صوت أول: "مريم تستحق. إنها فتاة محترمة..." توقف. لم تكن واحدة منهن تعرفه. ولم تكن واحدة منهن تتحدث إليه. كنّ يتحدثن فيما بينهن بتلك الطريقة التي يتحدث بها الناس حين يكون الخبر قديمًا بالنسبة إليهم، خبرًا هضمه الجميع وصار عاديًا. العرس. لم يسمع بقية الجملة. لم يحتج إليها. وقف في منتصف السوق وحوله ضجيج المكان كله. أصوات، وروائح، وحركة. وهو واقف في مركزها كأنه يقف في قاع نهر، والماء يجري من فوقه دون أن يلمسه. العرس. بدت الكلمة أكبر منه في تلك اللحظة. ليس لأنها مفاجئة كليًا، بل لأنها حوّلت ما كان ممكنًا إلى ما صار حقيقة. وبين الاحتمال والحقيقة مسافة يعبرها الإنسان مرة واحدة فقط، ولا يعود منها بنفس الوزن. نظر إلى يده. كانت تعدّ. أصابعه تتحرك ببطء على راحة يده. واحد، اثنان، ثلاثة. بلا صوت، بلا وعي حقيقي. أغلق يده. وخرج. لم يذهب إلى المقهى. مشى فقط. في شوارع لا يعرف بعضها، بلا إيقاع محسوب، ولا خطوة أوسع عند البلاطة المكسورة. جسده، للمرة الأولى منذ سنوات، لم يحفظ الطريق، لأن الطريق لم يعد يهمه. مريم تزوجت. والناس يعرفون. وهو كان يعدّ البلاطات وينتظر ردًا على رسالة: "هل كل شيء على ما يرام؟" هذا ما أوجعه أكثر من كل شيء. ليس أنها اختارت، بل أنها تركته يسأل. تركته يبحث عن تفسيرات، ويمنح الأعذار، ويكتب رسائل يحذف نصفها خجلًا. تركته يسمع الخبر من امرأتين لا يعرفهما، في سوق، بين الخضروات. لم تشرح. لم تقل. لم تطرق بابه. فقط: "سأتحدث إليك لاحقًا." وكأن لاحقًا لم يكن ينتظره أحد. وجد نفسه أمام مبنى لا يعرفه، في شارع لم يقصده. جلس على الدرج الحجري أمام المبنى. لم يفكر في أنه غريب عن المكان، ولم يفكر فيما يراه الناس حين يرونه. جلس فقط لأن الجلوس صار أسهل من المشي. أخرج هاتفه. فتح محادثتها. آخر رسالة منها: "سأتحدث إليك لاحقًا." وآخر رسالة منه: "مضى يومان يا مريم. لا أطلب تفسيرًا، لكن أخبريني فقط أنّكِ بخير." قرأهما واحدة تلو الأخرى. ثم أغلق المحادثة. لم يمحُها. لم يفعل شيئًا. أغلقها فقط كما يُغلق الإنسان درجًا يعرف أنه لن يحتاج إلى فتحه مرة أخرى. في الطريق إلى البيت، مرّت سيارة بيضاء أمامه ببطء، وكان صوت الموسيقى الخارج منها عاليًا وخفيفًا، ذلك النوع من الموسيقى الذي يُشغَّل في أوقات الفرح. نظر إليها حتى اختفت في نهاية الشارع. كان الهواء موجودًا. يدخل رئتيه ويخرج كما ينبغي. لا شيء في جسده يشكو. لكنه، للمرة الثانية منذ يومين، لم يشعر بأنه يتنفس فعلًا. في غرفته، لم يشعل الضوء. جلس على حافة السرير، والهاتف في يده، والشاشة سوداء. لم تكن الصدمة أنها تزوجت. كانت الصدمة أن المدينة كلها بدت كأنها عرفت كيف تواصل يومها بعد ذلك. وهو وحده لم يعرف.