الجزء 1
الفصل 2: ما وراء العتبة
الجزء 1
الفصل 2: ما وراء العتبة
الجزء 1
الجزء الاول: مدينة تتحرك ببطء
_______________________
كان الباب لا يزال في يده.
وما أمامه لم يكن الشارع.
وقف آدم عند العتبة ولم يتحرك.
عقله يفعل الشيء الذي يفعله العقل حين يرى ما لا يتوقع: يعيد المحاولة. يعيد النظر. يلقي نظرة ثانية على المشهد نفسه، أملًا أن تصحح الثانية ما أخطأت فيه الأولى.
لكن المشهد لم يتغير.
الشارع أمامه لم يكن ذلك الشارع الضيق المتشقق الذي دخل منه ليلًا. لم يكن الأسفلت الرمادي، ولا عمود الإنارة الذي أضاء له مسافة الاقتراب. ولم يكن ذلك الحي القديم بجدرانه المتآكلة وصمته الذي يخص المناطق المنسية.
كان هذا شارعًا آخر بالكامل.
واسعًا، منتظمًا، مبلطًا بحجارة داكنة متساوية، لا تبدو كأنها نمت عشوائيًا، بل وُضعت بحساب. والمباني على الجانبين بارتفاعات متقاربة، وواجهاتها من حجر معدني اللون، ونوافذها ضيقة وعالية. لا زينة، لا لافتات ملونة، لا لوحات ترحيبية. كأن المدينة قررت أن تكتفي بنفسها، من دون أن تشرح نفسها لأحد.
والضوء.
كان الضوء أبيض باردًا، لا يعرف مصدره. لا شمس واضحة في السماء، ولا غيوم داكنة. كانت السماء فوقه بلون الفضة المطفأة، موحدة كأنها طُليت بعناية. ضوء يأتي من كل مكان، وليس من مكان واحد.
التفت خلفه إلى البيت.
كان البيت لا يزال هناك: الجدران نفسها، والحجر الداكن نفسه، والعتبة تحت قدميه. والباب في يده.
أغلقه.
ثم أعاد فتحه.
الشارع نفسه.
خطا خطوة إلى الخلف داخل البيت.
نظر من الداخل إلى ما يراه خلف الباب المفتوح. كان الشارع الجديد يقف هناك بهدوء تام، لا يعبأ بارتباكه ولا بمحاولاته إقناع نفسه بأن ما يراه قابل للتفسير.
*خرجت من باب آخر*، قال لنفسه. *للبيت مخرجان، ولم تلاحظ في الظلام.*
لكن البيت كان أمامه ليلًا من الخارج. رآه كاملًا. واجهة واحدة. باب واحد.
*ما زلت نصف نائم.*
غسل وجهه بلا ماء. لطم خده بخفة. حدق في يده.
يد عادية. حقيبة على الكتف. جسد متعب، لكنه يقظ.
لم يكن يحلم.
خرج.
كان الهواء على وجهه، حين خطا إلى الخارج، مختلفًا.
نظيفًا بطريقة لا تكون في المدن. ليس نقاء الطبيعة البعيدة، بل شيء آخر: كأن الهواء هنا مُصفّى بعناية، كأن أحدهم قرر أن يزيل منه شيئًا قبل أن يتركه يصل إلى الأنوف.
وأبرد بدرجة من الخارج.
وقف على الرصيف الحجري.
لم يكن الشارع، في هذه الساعة، فارغًا.
كان المارة الأوائل على بعد أمتار منه.
رجل وامرأة يسيران في الاتجاه نفسه، وبينهما مسافة محسوبة. لم يتحدثا. لم يلتفتا. كانا يمشيان بخطوات قصيرة متساوية، بإيقاع ثابت لا يتسارع ولا يتباطأ.
نظر إليهما.
كان في طريقة مشيهما شيء مختلف. ليس إعاقة، وليس مرضًا. بل نوع من الاقتصاد الحركي، كأن كل خطوة تُحسب قبل أن تُخطى. لا طاقة تُهدر. لا حركة زائدة. الأذرع لا تتأرجح، والرؤوس لا تدور، والأجساد تتحرك في خطوط مستقيمة، كأن للطريق قضبانًا غير مرئية.
ثم مر ثلاثة آخرون من الجانب الآخر.
والشيء نفسه. الإيقاع البطيء المحسوب نفسه. والهدوء نفسه، الذي ليس هدوء الناس الذين لا يستعجلون، بل هدوء الناس الذين يعرفون أن للاستعجال ثمنًا.
ولاحظ شيئًا آخر.
لم يكن أحد يتحدث بصوت عالٍ. والمحادثات، إن وُجدت، فهي همس خافت يكاد لا يُسمع. ولا أحد يركض. ولا أحد يضحك بصوت مرتفع. كأن الشارع اتفق على أن كل ما يحدث هنا يجب أن يحدث بأقل قدر ممكن من الضجيج.
رآها.
أو رآه.
أو رأى ما لم يفهمه في البداية.
كان الرجل الذي يمر قريبًا منه يحمل عند عنقه شيئًا.
طوقًا. رفيعًا، معدنيًا، يلتصق بالعنق بإحكام، من دون أن يبدو مؤلمًا. وعلى جانبه الأمامي شيء يشبه جهازًا صغيرًا، لوحًا زجاجيًا أو شاشة، يصدر ضوءًا خافتًا بلون الرمادي الفاتح.
توقف.
المرأة التي تمر بعده: طوق.
الشاب الذي يمشي وحده على الرصيف المقابل: طوق.
العجوز عند مدخل البناية البعيدة: طوق.
كلهم.
نظر إلى يمينه، إلى يساره، إلى أمامه.
كل من يراه يحمل عند عنقه ذلك الشيء. لا استثناء.
أمسك رقبته بيده، بحركة لا إرادية. كانت رقبته خالية. جلد فقط.
انتظر.
حاول أن يفهم ما هذه الأطواق، وما وظيفتها، ولماذا يلبسها الجميع. لكن الإجابة لم تكن في الشارع الذي يقف فيه. كانت في مكان ما داخل هذه المدينة لم يصله بعد.
خطا خطوتين إلى الأمام.
أخذه الهواء بالكامل. داخل الشارع الآن، خارج عتبة البيت، وعلى الحجارة الداكنة المنتظمة.
وفي تلك اللحظة، لأن الذهول كان أكبر من وعيه، ولأن جسده لم يكن يعرف بعد أن ثمة قوانين هنا لا يعرفها، أخذ نفسًا عميقًا.
نفسًا طبيعيًا كاملًا، كما يأخذه الإنسان حين يريد أن يستوعب شيئًا كبيرًا.
ارتفع صدره. وامتلأت رئتاه. ودخل الهواء بصوت خفيف، لكنه مسموع.
وتوقف كل شيء.
ليس كل شيء في الشارع، بل كل شيء في دائرة من حوله. الرجل القريب أبطأ خطوته. المرأة التي كانت تمر رفعت رأسها. الشاب على الرصيف المقابل توقف تمامًا.
وكلهم، في اللحظة نفسها، نظروا إليه.
لم تكن نظرة عداء. ولم تكن نظرة فضول بسيط. كانت نظرة الشخص الذي سمع، في مكان هادئ، صوتًا لا ينتمي إليه. نظرة تقول: هذا لا يحدث هنا عادة.
نظرة تقول: من أين أتيت بهذا التنفس؟
*تجمد آدم في مكانه.*
*حقيبته على كتفه.*
*ورقبته خالية من أي طوق.*
*وعيناه تتنقلان بين الوجوه التي تنظر إليه.*
*وجوه هادئة.*
*هادئة أكثر مما ينبغي.*
*وعلى كل عنق منها، كان ذلك الجهاز الصغير الذي لا يعرف اسمه يضيء الآن بلون مختلف عما كان عليه من قبل.*
*أحمر خافت.*
*كأنه هو من أوقده.*