الجزء 10
الفصل 1: أيام ما قبل الشرخ
الجزء 10
الفصل 1: أيام ما قبل الشرخ
الجزء 10
الجزء العاشر: باب لا يعود إلى الشارع
_____________________
استيقظ ولم يعرف أين هو.
ثانية واحدة كاملة، معلّقة بين النوم واليقظة، كان جسده فيها لا ينتمي إلى مكان. ثم عادت الذاكرة: المدينة، الليل، الشارع الفارغ، الباب الحديدي الثقيل.
البيت المهجور.
كان أسفل ظهره أول من تكلّم. ألم ثابت، نتيجة ساعات على الأرض الحجرية التي لم تسأله إن كان يريد أن ينام عليها. وكانت رقبته منحنية بزاوية لم تُقصد، وحلقه جافًا كأن الهواء هنا لا يحمل رطوبة كافية.
تحرك ببطء. فكّ انحناءة جسده. مدّ ساقيه. سمع مفاصل ركبتيه تشتكيان بصوت خافت لم يردّ عليه أحد.
كانت الحقيبة لا تزال في يده.
لم يكن يعرف أنه أمسكها طوال الليل حتى رآها الآن.
الضوء داخل البيت كان موجودًا، لكنه خاطئ.
ليس ذلك الخطأ الواضح الذي يصفه الإنسان ويشير إليه، بل خطأ أهدأ من ذلك، خطأ يحسّه الجسد قبل أن يفهمه العقل: الضوء الذي يدخل من خلف الستارة القديمة كان باهتًا أكثر مما ينبغي لصباح. ليس صباح غيوم، ولا صباح مطر. بل ضوء كأنه مرشَّح بشيء لا يُرى، كأن النافذة تعطيه نسبة أقل مما يحمله الخارج.
نظر إلى الساعة المتوقفة على الجدار.
الثانية وخمسون دقيقة.
لم تتحرك، بالطبع. لكن في هذا الضوء الباهت بدت أكثر إصرارًا على لحظتها من أي وقت آخر. كأنها لم تتوقف بالصدفة، بل اختارت أن تتوقف. وكأن اللحظة التي اختارتها تخصّ هذا البيت وحده.
نظر إلى الكرسي القديم في الزاوية.
في الليل كان الكرسي مجرد كرسي. أما الآن، في هذا الضوء، فبدا كأن له وزنًا مختلفًا. ثقيلًا بطريقة لا تخص الخشب.
ولم يتغير الصمت.
كان البيت في الصباح يفترض أن يكون أقل وحشة، وأكثر منطقية. لكنه لم يكن كذلك. ظلّ الصمت نفسه: أثقل بدرجة واحدة من الطبيعي، كصمت مكان لا يسمح للهواء بالمرور بلا إذن.
قام.
فعل ذلك ببطء، وجسده يتفاوض مع الأرض الحجرية على طريقة الانفصال. وقف. ثبّت توازنه.
أخرج ما تبقى من الماء.
رشفة واحدة. لم تُرِح حلقه على نحو حقيقي. أعطت جسده فقط إشارة إلى أن اليوم قد بدأ، أو ما يشبه البداية.
حمل الحقيبة على كتفه.
نظر إلى الباب الداخلي المغلق.
ذلك الباب الذي وقف أمامه ليلًا ولم يفتحه. الباب الذي تراجع عنه لأن التعب كان أقوى من الفضول. الآن، في هذا الضوء الباهت، كان لا يزال مغلقًا بالطريقة نفسها. لا صوت من خلفه. لا ضوء من تحته.
خطا خطوة نحوه.
توقف.
لا. يجب أن يخرج. يوم جديد في مدينة لا يعرفها، وجيب أخف مما ينبغي.
أدار ظهره للباب.
وأكمل نحو المخرج.
مشى في المدخل نحو الباب الرئيسي.
كانت خطواته على الأرض الحجرية تُسمع أكثر مما ينبغي. ليس لأنه يمشي بقوة، بل لأن البيت يردد كل صوت بوضوح زائد، كأن الجدران تعيد ما تأخذه بدلًا من أن تمتصه.
خطوة. خطوة. خطوة.
وعند منتصف المدخل، لاحظ الهواء.
أو لاحظ غيابه.
كان الهواء هنا ساكنًا تمامًا. لا نسيم. لا حركة. حتى الغبار الذي أثارته خطواته لم يتطاير بعيدًا، بل استقر مجددًا بسرعة لا تخص الغبار.
توقف عند العتبة.
كان الضوء القادم من تحت الباب الحديدي بلون لم يتوقعه.
أبيض مائل إلى الزرقة. بياض نظيف بارد، لا يشبه ضوء الصباح الذي يحمل ذرات الشمس الأولى. ليس ضوء غيوم، وليس ضوء فجر. ضوء لا يشبه أي ضوء عرفه.
استمع.
لا سيارة. لا خطوات. لا صوت إنسان يبدأ يومه. لا شيء من الأصوات التي تحملها المدن في صباحاتها، تلك الأصوات التي لا يسمعها الإنسان حين تكون موجودة، ويفتقدها حين تغيب.
مدينة. في الصباح. صمت تام.
قال لنفسه إن الحي قديم. وإن الشارع في طرف المدينة. وإن التعب يجعل الأشياء تبدو أكثر غرابة مما هي.
لكن يده تحركت نحو الباب أبطأ من إرادته.
أمسك الحلقة الصدئة.
كانت برودتها مختلفة عن برودتها البارحة. البارحة كانت برودة معدن تحت ليل مفتوح. أما هذه فبرودة أخرى: برد شيء لا تصله الحرارة، لأن لا شيء حوله يحملها.
أخذ نفسًا.
دفع.
أنّ الباب بذلك الأنين القديم نفسه.
ثم انفتح.
لم يكن الضوء الذي دخل ضوء ذلك الشارع.
ولم يكن ضوء أي مكان يعرفه.
لم يكن الصباح الذي غادره ليلًا. لم تكن الأرصفة الرمادية. لم يكن عمود الإنارة الذي أضاء له طريقه في العتمة. لم يكن شيئًا مما حفظه جسده عن المدينة التي وصل إليها منهكًا.
كان شيئًا آخر بالكامل.
تراجع نصف خطوة. لا إرادة، لا قرار. فعل الجسد ذلك قبل أن يستشيره.
انفتح فمه دون أن يخرج منه صوت.
واتسعت عيناه، اللتان اعتادتا في أسبوع واحد على الخيبة والصدمة والإهانة والليل والتعب والبيوت التي لا تعرفه، بطريقة لم يعرفها من قبل.
ليس خوفًا.
بل شيء أكبر من الخوف.
وظلت يده على الباب.
وظل الباب مفتوحًا.
وأمامه، ما لم يكن له اسم في أي لغة يعرفها.
*كان الهواء في تلك الأيام عاديًا.*
*لكن ذلك كان قبل أن يفتح آدم الهاشمي بابًا لا يعود إلى الشارع.*