الجزء 3
الفصل 2: ما وراء العتبة
الجزء 3
الفصل 2: ما وراء العتبة
الجزء 3
# الجزء التالت: الركضة الخاطئة
____________________
تحرّك.
لم يكن ذلك قرارًا. كان الشيء الذي يفعله الجسد حين لا يُعطى خيارًا آخر.
كانت الخطوتان الأوليان أوسع من إيقاع هذا الشارع. شعر بذلك من الوهلة الأولى، كأن المدينة نفسها تقيس خطواته وتجدها خاطئة. لم يتحرك الناس من حوله نحوه، لكنهم تراجعوا. ليس هربًا، بل تراجعًا منظّمًا، كما يتراجع الإنسان عن شيء ساخن لا يريد أن يحترق به.
التصق بعضهم بالجدران.
من دون كلام. من دون إشارة.
فقط فتحوا له مسارًا لم يطلبه.
نظر إلى الأطواق عند الأعناق من حوله. لم يختفِ الوميض الأحمر، بل صار أكثر انتظامًا، كنبضة قلب باتت تعمل بجهد أعلى.
التفت خلفه.
كان المراقبان يتحركان. ليس بالسرعة التي يتحرك بها من يركض خلف أحد، بل بتلك الثقة المحسوبة لمن يعرف أن الشارع نفسه سيضيّق على الهارب قبل أن يصله.
قرأ جسد آدم المسافة بينه وبينهما.
ثم ركض.
ارتطمت الحقيبة بكتفه في الركضة الأولى بقوة لم يتوقعها. وأعادت الأرضية الحجرية صوت خطواته بوضوح زائد، كأن الشارع يذيع ما يفعله لمن لا يرى.
علا صدره.
دخل الهواء، واستقبلته رئتاه كما تفعلان دائمًا، بلا حساب، بلا إذن.
وخرج نفَسه مسموعًا.
سمع الأصوات.
لم تكن أصوات مطاردة. لم تكن صراخًا ولا تحذيرات. كانت أصوات الأطواق. تلك النبضات الخافتة التي تصدرها الأجهزة الصغيرة عند الأعناق تعددت فجأة. صوت هنا، وصوت هناك، كأن ركضه أيقظ شيئًا في شبكة لا يراها.
التفت لثانية أثناء الجري.
كان الرجل الذي يمشي قرب الجدار قد توقف تمامًا. يده على عنقه. عيناه مغمضتان. وفمه لا يتحرك.
وامرأة على بعد أمتار تضع كلتا يديها على صدرها، بحركة من يمسك شيئًا في داخله.
لم تصرخ.
لم تبكِ.
فقط أمسكت.
انعطف في أول شارع جانبي وجده.
كان أضيق من الشارع الرئيسي. حجارة داكنة على الجانبين، مرتفعة. وأبواب عالية مغلقة. لا نوافذ في مستوى النظر، فقط فتحات ضيقة في الأعلى، كأنها صُمّمت لتسمح بالضوء من دون أن تسمح بالرؤية.
كان الشارع نظيفًا على نحو لا يُصدَّق. لا أوساخ، لا أوراق مبعثرة، لا أثر للاستعمال العشوائي الذي يتركه الناس عادة في المدن. نظافة لا تشبه الاعتناء، بل تشبه الانضباط.
أبطأ خطواته قليلًا.
خرج نفَسه بصوت أعلى في الضيق.
وفهم في تلك اللحظة شيئًا لم يستطع صياغته بكلمات: أن صوت نفَسه في هذا الشارع ليس مجرد صوت. إنه يُسمع بطريقة مختلفة. كأن الهواء نفسه مراقَب، وكل ما يأخذه الإنسان منه يجب أن يُحسب.
لكنه لم يعرف كيف يحسب.
ولم يعرف، حتى الآن، لماذا يجب.
وعند منتصف الزقاق، رآه.
رجل يمشي في الاتجاه المعاكس. وحده. بالإيقاع البطيء المحسوب نفسه. رأسه مستقيم. خطواته متساوية. والطوق عند عنقه يضيء بضوء رمادي هادئ.
رآه آدم.
ورآه الرجل.
ورأى الحقيبة على كتفه، والصدر المرتفع، والنفَس المتسارع، والخطوات الأعلى من اللازم.
لم يتحرك. لم يبتعد. لكن يده ارتفعت ببطء نحو طوقه.
لم يتوقف آدم. مرّ بجانبه مسرعًا.
وحين مر، سمع صوت الطوق يصدر نبضة.
ورأى في طرف عينه وجه الرجل يتغير. شيء دقيق جدًا، انقباض خفيف، كمن يبتلع ألمًا بهدوء.
ثم أكمل الرجل مشيه.
أسرع.
لم يقرر ذلك. أسرع جسده، لأن جسده يعرف قانونًا واحدًا: كلما اقترب الخطر، ابتعد أكثر.
لكن نفَسه صار يخرج الآن بوضوح مسموع حتى له. صوت حقيقي، متقطع، في زقاق تعكسه جدرانه العالية من كل اتجاه.
شعر بالذنب قبل أن يفهم سببه.
كل شخص يمر بجانبه، وكل طوق يصدر نبضة، وكل وجه يرتجف بانقباض خفي، كان يُضاف إليه كحجر صغير على كتف لا يستطيع تفريغه.
لم يقصد.
ولا يعرف حتى ما الذي يحدث.
لكن الجسد يحتسب الذنب بمعزل عن القصد.
خرج من الزقاق إلى ساحة.
فارغة إلا من أربعة أشخاص على أطرافها. متباعدون. واقفون في صمت.
وفي المنتصف، لا شيء.
مساحة حجرية واسعة، تتوسطها نافورة متوقفة. ماؤها تجمّد أو أُوقف منذ زمن، لا يعرف. والحجارة حول قاعدتها مبللة بطريقة قديمة.
توقف.
نظر يمينًا: الشارع الذي جاء منه، وقد سُدّ بالمراقبَين اللذَين يدخلان الزقاق الآن بخطواتهما المحسوبة.
نظر يسارًا: باب ضخم مغلق لمبنى لا نوافذ في طابقه الأول.
نظر أمامه: شارع ضيق آخر. لكن عند مدخله رجل يقف. ليس مراقبًا بالزي نفسه. مجرد رجل. لكنه يقف بطريقة من استُدعي للوقوف.
ثلاثة اتجاهات. كلها مغلقة.
التفت خلفه للمرة الأخيرة.
كان المراقبان يدخلان الساحة.
ولا يزالان هادئَين. ولا يزالان واثقَين. وعلى وجهَيهما تعبير لا يشبه الغضب ولا يشبه التهديد. يشبه فقط تعبير من يؤدي مهمة يعرف نهايتها.
أخذ آدم نفسًا حادًا.
طويلًا.
غير مقصود.
وسمع نفسه يأخذه.
وسمع نبضات الأطواق الأربعة عند الأشخاص على أطراف الساحة تتصاعد معًا.
ووضع الرجل عند مدخل الشارع الضيق يده على عنقه.
وانحنى قليلًا.
*وقف آدم في وسط الساحة.*
*الحقيبة على كتفه.*
*ونفَسه يخرج ويدخل بلا إذن.*
*وحوله مدينة تحاسب حتى على ذلك.*
*والمراقبان يقتربان.*
*وهو لم يعد يعرف أيّ خطوة لن تكلّف أحدًا شيئًا.*
*ولأول مرة في حياته،*
*كان الهواء نفسه يبدو كأنه ليس له.*