حكاياتي

الفصل 2: ما وراء العتبة

الجزء 9
الجزء التاسع: الطوق الذي لا يخصّه ____________________ كان المعدن باردًا حتى قبل أن يلمسه. أخرج راشد الطوق من صندوق زجاجي على الرف الأيسر. قطعة دائرية. سُمكها أقل من الأطواق التي رآها على أعناق الناس بمقدار طفيف. لونها رمادي داكن، وسطحها أملس إلا من خط رفيع يدور حولها. ولا شاشة فيها. وضعها على الطاولة. نظر آدم إليها. *"هذا ليس طوقًا حقيقيًا."* *"لا."* قال راشد من دون أن يلتفت. كان يُعِدّ أداة أخرى. *"الطوق الحقيقي مرتبط بالنظام. هذا لا شيء فيه. فارغ."* *"إذن، كيف يساعد؟"* *"لأن معظم من سيراك لن يفحصك بأداة. سينظرون فقط."* ناوله الأداة الصغيرة المضيئة. *"والنظرة الأولى ترى الطوق، لا ما فيه."* *"وإذا فحصني أحد بأداة؟"* وضع راشد الأداة على الطاولة. ثم نظر إليه. *"إذا فحصك أحد بأداة، فلن تنقذك هذه القطعة."* قال. *"لكنها تجعل تهمتك: «طوق معطّل»، لا «رقبة خالية». والفرق بين التهمتين كبير."* فهم آدم من نبرته أنه لا يريد أن يعرف مقدار ذلك الفرق الآن. اقترب راشد منه بالطوق. *"اثبت."* ثبت آدم مكانه. وضعت أصابع راشد الدقيقة الطوق حول رقبته، ثم أطبقت قفله الخفيف من الخلف. نقرة معدنية صغيرة. جاءت البرودة فورًا. ليست برودة الطقس، ولا برودة معدن تعتاده يد الإنسان تدريجيًا. بل برودة تصل بلا تدرج، كأنها تقرر أن تكون هناك بدلًا من أن تتسرّب. احتبس نفَس آدم غريزيًا. *"تنفّس."* قال راشد. تنفّس. لم يتغير الطوق. لكن شيئًا على سطحه، في الخط الرفيع الذي يدور حوله، ومض لثانية. ليس أحمر ولا أخضر. لون بينهما، غير مستقر، كأنه يبحث عن جهة. توقف راشد. نظر إلى الطوق. ثم إلى ليان. *"كما ظننت."* اقتربت ليان. ونظرت إلى الطوق بالنظرة نفسها التي يستخدمها الطبيب مع جرح لا يتصرف كما تعلّم. *"الخط."* قالت. *"نعم."* قال راشد. *"كان يجب أن يستقر على رمادي ثابت حين يُوضع على رقبة متوافقة. لكنه يومض."* *"يومض لأن؟"* *"لأنه يقرأ ما تحته ولا يجد ما يتوقعه."* نظر إلى آدم. *"رقبتك فارغة بطريقة لا أعرفها. مثل حقل مغناطيسي بلا قطبين."* *"وهذا يعني؟"* *"يعني أن الطوق يعمل، لكنه يعمل بجهد زائد."* أعاد الأداة إلى رفها. *"ولكل شيء يعمل بجهد زائد حد أقصى."* جعل راشد آدم يمشي. أربع خطوات نحو الباب. وأربع خطوات للعودة. كان راشد يراقب الخط الرفيع. وكان آدم يحاول أن يجعل خطواته قصيرة ومتساوية. ويحاول أن يبقي ذراعيه إلى جانبيه. ويحاول أن يجعل صدره لا يرتفع أكثر مما ينبغي. وكان الطوق يثقل عليه أكثر مع كل خطوة. ليس في الوزن الفعلي. وزنه خفيف. لكن وعيه به لا يتركه. كأن كل نفَس يصطدم بشيء قبل أن يكتمل. *"توقف."* توقف. اقترب منه راشد. وفحص الخط مرة أخرى. ثم أخرج أداة ثانية، أصغر، ومرّرها على طول الطوق ببطء. *"إذا مشيت بهذه الخطوات في شارع عادي، فسيمر."* قال. *"لكن إذا توترت، أو ركضت، أو أخذت أكثر من ثلاثة أنفاس عميقة متتالية، فسيومض الخط بطريقة تُرى من مسافة أربعة أمتار."* *"أربعة أمتار مسافة قليلة."* *"نعم."* وافق راشد من دون تلطيف. جلس آدم. والطوق على رقبته. مدّ يده وأمسك حافته الخارجية. *"أريد خلعه."* *"لا."* قالت ليان. *"أشعر أنه..."* *"أعرف."* قاطعته. *"لكنك إذا خلعته الآن، فلن تصمد هذه المهلة كما ينبغي."* نظر إلى رقبته في المرآة الصغيرة المعلقة على الجدار. الطوق موجود. رمادي. أملس. يشبه ما يحمله الآخرون إذا نظرت من بعيد. لكن الخط الرفيع حوله لا يزال يومض بذلك اللون غير المستقر. رقبته بهذا الطوق لا تشبه رقبة أحد هنا. ورقبته بلا طوق لا تشبه أيضًا. *"حتى لو أتقنت كل قواعد هذا العالم."* قال بصوت أخفض من المعتاد. *"حتى لو تعلمت خطواتهم، وتنفسهم، وصمتهم المنظم، فهل سيبقى هذا الطوق يومض؟"* لم يجب راشد فورًا. ذهب إلى كتاب سميك على أحد الرفوف. فتحه في منتصفه. وقلّب صفحاته بأصابع معتادة على هذا الكتاب. ثم توقف. قرأ شيئًا بعينيه فقط. ثم أغلقه. *"في كل ما عرفته عن هذا النظام في ثلاثين سنة."* قال وهو يعيد الكتاب إلى مكانه. *"لم أرَ رقبة لا تقبل الانسجام."* *"ماذا تعني؟"* *"أعني أن من يولد في هذا العالم، مهما كان ضعيف الرصيد، ومهما أنفق وحداته بتبذير، فإن رقبته تقبل الطوق. جسده يعترف به."* التفت إليه. *"أما جسدك فلا يعترف. يتقبّله اضطرارًا. وهذا الفرق هو الذي يجعل الخط يومض."* صمتت الغرفة. نظرت ليان إلى نافذة صغيرة مسدودة في الجدار. ونظر آدم إلى يديه. *"إذن، المشكلة ليست أنني لا أعرف قوانين هذا العالم."* *"المشكلة."* قال راشد ببطء. *"أن هذا العالم لا يعرفك."* قام راشد ومشى نحو الباب. فتح المزلاج، لكنه لم يفتح الباب. *"ثلاثة أيام."* قال. *"في مناطق المراقبة الأخف. في المناطق الوسطى. ليس قرب المبنى الرئيسي. ليس قرب محطات الاسترداد. وليس في أي مكان يضم أكثر من عشرين شخصًا في الوقت نفسه."* *"وبعد الأيام الثلاثة؟"* *"تحضران لي إجابة عن سؤالي."* نظر إلى آدم. *"كيف دخلت البيت، وما الباب الذي فتحته، وما الشيء الذي رأيته حين فتحت."* *"قلت لك... لم أرَ—"* *"قلت لي ما تتذكره."* قاطعه راشد. *"لكن جسدك رأى شيئًا. الجسد يسجّل ما لا يسجّله الذهن."* توقف. *"والخطأ القادم في الشارع لن تستره هذه القطعة."* *خرجا.* *أخذ الهواء البارد وجه آدم فور فتح الباب.* *والطوق على رقبته. بارد. ثابت. لا ينتمي.* *مشى خلف ليان.* *وفي كل خطوة كان يشعر بالخط الرفيع حول الطوق يومض بذلك اللون الذي لا يختار جهة.* *لا أحمر.* *لا رمادي.* *شيء بينهما، لا اسم له في هذا العالم.* *تمامًا كما هو.*