حكاياتي

الفصل 2: ما وراء العتبة

الجزء 8
الجزء الثامن: الرجل الذي يُصلح الخلل ____________________ الممر خارج الباب كان أطول مما تذكّر. أو ربما كان الخوف يمدّ المسافات. لم تسلك ليان الشارع الرئيسي. انعطفت يسارًا عند أول مدخل بناية، ثم عبرت فناءً داخليًا ضيقًا تتقاطع فيه جدران ثلاثة مبانٍ، وخرجت من الجهة الأخرى إلى ممر لم يكن فيه من الضوء إلا ما يتسرّب من نوافذ عالية مغلقة. ثم نزلت درجات حجرية لا تصعد، ثم فتحت بابًا خشبيًا داخل أحد المباني بضغطة على جانبه الأيسر، لا على مقبضه. لم تشرح. وتبعها آدم. لم يسأل. لا لأنه فهم، بل لأن أسئلته لم تعد تساوي قدر أن تكون خطواته صحيحة. في الممر الثالث، مرّت امرأة من الاتجاه المعاكس. كانت خطواتها محسوبة كخطوات الجميع. رأسها إلى الأمام. لكن حين اقتربت، وضاقت المسافة بينهم إلى أقل من متر، نظرت. إلى رقبته. كان القماش الداكن هناك، يخفي ما تحته. لكن شيئًا في انتظامه، أو سُمكه، أو زاوية لفّه جعل نظرتها تتوقف نصف ثانية أطول مما ينبغي. ارتفعت يدها نحو طوقها. ولمسته. ثم مضت. لم تلتفت ليان. لكنها ضغطت بخطواتها نحو الجدار بمقدار طفيف، وأبعدت آدم عن منتصف الممر دفعة خفيفة بكوعها. لم يقل شيئًا. ولا هي. لم يكن الحي الذي وصلا إليه يشبه أي شيء رآه حتى الآن. لا الشوارع المفتوحة الباردة التي دخل إليها من الباب، ولا الأحياء المرتفعة التي مرّا بمحاذاتها في طريقهما، بل شيئًا أكثر تراكمًا. مبانٍ أقل ارتفاعًا، متقاربة حتى تكاد تلمس بعضها. وممرات بين المنازل أشبه بخطوط رسمها أحدهم بعد أن قرر ألا يترك فراغًا زائدًا. كان الهواء هنا أكثف قليلًا. ليس نتنًا، بل أكثر حضورًا. كأنه لا يذهب بعيدًا. وكانت الأطواق عند أعناق من يمرون هنا أقل بريقًا. وأرقام بعضها لم تكن خضراء صافية، بل تميل إلى البيج المصفر. رأى آدم ذلك، وفهم شيئًا لم يشرحه له أحد بعد: أن المدينة ليست طبقة واحدة. توقفت ليان أمام باب لا يختلف عن الأبواب المحيطة به. خشب داكن. قديم. بلا لافتة. بلا رمز. ولا أثر على عتبته يقول إنه يُفتح كثيرًا أو قليلًا. وقفت. لم تطرق. مرّت ثانية. ثم ثانية أخرى. *"من هو؟"* همس آدم. *"شخص لا يحب أن يُسأل من هو."* *"وهل يعرفنا؟"* *"يعرفني."* قالت. *"وهذا ليس دائمًا ميزة."* طرقت. ثلاث طرقات متساوية. صمت. ثم جاء صوت خطوات من الداخل. خطوة واحدة، ثم توقف. خطوتان، ثم توقف. ثم صوت معدني خفيف. قفل، أو مزلاج. وانفتح الباب. كان الرجل في أوائل الستينيات. شعر رمادي قصير. ووجه يحمل تجاعيد تبدو مكتسبة من التركيز، لا من الزمن وحده. وعينان داكنتان سريعتان، من النوع الذي يرى قبل أن يسمع. وكان طوقه أسمك من أي طوق رآه آدم. وعلى شاشته أرقام لا تشبه أرقام الآخرين. أصغر، وأكثر عددًا، كأنها تقيس شيئًا مختلفًا. نظر إلى ليان. *"لا."* قالها قبل أن تتكلم. *"راشد..."* *"قلت: لا."* ثم نظر إلى آدم. نظرة الطبيب، لا المضيف. من الرأس إلى الكتفين إلى الصدر. ثم إلى رقبته. إلى القماش. تضيّق شيء في وجهه. *"ادخلا."* قال. *"بسرعة."* كان الداخل ورشة. ليس بالمعنى الواسع، بل غرفة متوسطة، جدرانها مغطاة بأرفف خشبية تحمل أشياء لا يعرف آدم أسماءها: قطعًا معدنية صغيرة، وأجهزة ذات شاشات صغيرة، وأدوات دقيقة في صناديق زجاجية. وفي المنتصف طاولة عمل، عليها طوق مفكك إلى قطعتين، وأداة تشبه المشرط المصغّر، وضوء مكبّر معلق من الأعلى. رائحة المعدن والزيت الخفيف. أغلق راشد الباب، وأدار المزلاج. *"اجلسا."* لم يكن يسأل. نظر إلى ليان أولًا. *"شهر."* *"أعرف."* *"قلت إنني لن أكرر هذا."* *"وأنا لم أتوقع أن يحدث هذا."* نظرت إليه بهدوء لم يخلُ من الجهد. *"لكنه حدث."* ثم نظر إلى آدم. *"قف."* وقف. اقترب منه راشد ببطء. لم يلمسه مباشرة. فحص أولًا. رفع أصابعه الثلاثة نحو رقبة آدم. وتوقفت على بعد سنتيمترات، كأنها ترسم دائرة في الهواء حول موضع الطوق المفترض. *"أزل القماش."* أزاله آدم. نظر راشد إلى الرقبة مباشرة. وأطال النظر بما يكفي ليصير مزعجًا. ثم قرّب أداة صغيرة مضيئة من رقبته، وحركها ببطء من جانب إلى جانب. *"لا ندبة."* قال. *"أعرف."* قالت ليان. *"لا موضع قديم. لا أثر مؤقت. لا شيء يدل على تركيب سابق."* ثم نظر إلى آدم. *"تنفّس."* من الأنف. أربع. توقف. اثنتان. زفير في ست. وضع راشد إصبعه على معصمه، يتحسس النبض. ووضع يده الأخرى على شاشة طوقه، وقرأ شيئًا. *"مرة أخرى."* تنفّس ثانية. وهذه المرة أغمض راشد عينيه لحظة، كأنه يستمع، لا يقرأ. *"بالعربية: من أين أتيت؟"* *"من مدينة أخرى. ليست من هنا."* *"ليست من هنا."* قالها ببرود من يسمع جملة مستحيلة في يوم عادي. *"والباب الذي أتيت منه؟"* *"بيت مهجور. في أطراف المدينة."* صمت راشد. عاد إلى الطاولة. وضع الأداة. أمسك قطعة الطوق المفكك ونظر إليها، ثم إلى آدم. *"الرقبة الخالية لا تعني أنه ليس في النظام."* قال ببطء. *"تعني أنه ليس في أي نظام."* *"وهل هناك فرق؟"* قال آدم. *"فرق هائل."* قال راشد. *"من ليس في النظام مشكلة إدارية. أما من ليس في أي نظام..."* توقف. ونظر إلى ليان. *"من أين جئتِ بهذا؟"* *"لم آتِ به. هو الذي جاء."* *"وهذا يجعل الأمر أسوأ."* جلس راشد على كرسيه خلف الطاولة. وبدأت أصابعه تحرّك الأداة الصغيرة ذهابًا وإيابًا فوق الخشب. عادة قديمة، على ما يبدو. *"ما يقوله عن البيت..."* قال من دون أن ينظر إليهما. *"أطراف المدينة. باب قديم. دخل منه إلى هنا."* *"نعم."* *"هذا البيت..."* توقف. وتوقفت الأداة بين أصابعه. *"إذا كان ما أظن أنه..."* لم يكمل. قام. واتجه إلى أحد الرفوف. بحث بين قطع صغيرة، ثم أخرج شيئًا: قطعة معدنية خفيفة، دائرية، بسماكة طوق، لكن بلا شاشة. سطحها أملس، وعلى أحد جانبيها خط رفيع. عاد نحو آدم. وناوله إياها. *"هذا لن يعمل في الفحص الدقيق. لكنه سيمر من بعيد."* *"طوق مزيف؟"* *"طوق غير مُفعَّل."* قال. *"في الفحص السطحي يبدو موجودًا. وفي الفحص التقني يبدو معطلًا، لا مزيفًا. والفرق مهم."* أخذه آدم. كان باردًا، وأخف مما توقع. *"وثمنه؟"* نظر راشد إلى ليان. *"الدَّين القديم."* قالت. *"الدَّين القديم أكبر من هذا."* قال. *"وهذا يسدّ جزءًا منه."* نظر كل منهما إلى الآخر طويلًا. شيء بينهما يسبق هذه اللحظة بسنوات. وأخيرًا، أبعد راشد نظره. *"أسبوع. بعد أسبوع أريد إجابة عن سؤال واحد."* *"أي سؤال؟"* *"كيف دخل."* نظر إلى آدم. *"ليس لأنني فضولي، بل لأن البيت الذي يصفه... إن كان هو البيت الذي أعرفه، فالمشكلة ليست أنه هنا بلا طوق."* وقف. *"المشكلة أن شيئًا ما سمح له بالدخول. وهذا الشيء لم يكن مفتوحًا منذ وقت طويل."* *مشى راشد نحو الباب.* *وفتح المزلاج.* *"اخرجا من هذا الحي قبل منتصف النهار."* قال. *"وهذا الطوق لا يتحمل أكثر من ثلاثة أيام في مناطق المراقبة."* *توقف.* *"وآدم."* *رفع آدم رأسه.* *"تنفّسك ليس فقط خاطئًا في هذا العالم."* قال راشد بنبرة من يقول حقيقة لا يحب قولها. *"إنه يشبه تنفّس شخص لا يعرف أن الهواء له ثمن."* *"وهو لا يعرف."* قالت ليان. *"أعرف."* قال راشد. *"وهذا ما يجعله مشكلة من نوع لم أره من قبل."* *ثم فتح الباب.* *فدخل الهواء البارد.* *ومعه شيء يشبه الوزن الإضافي الذي لا يُحسب على الأطواق.* *لكنه يُحسب على كل شيء آخر.*