حكاياتي

الفصل 1: أيام ما قبل الشرخ

الجزء 9
الجزء التاسع: ليل الجوع _____________________ لم يكن البيت جميلًا ولا مطمئنًا. لكنه، في تلك الليلة، كان الشيء الوحيد الذي لم يطلب من آدم مالًا ليسمح له بالدخول. وقف أمامه وقفة رجل يزن خيارين، كلاهما سيّئ. الخيار الأول: البيت. الخيار الثاني: كل ما خلف ظهره؛ شارع فارغ، وبرد يزيد مع كل ساعة، وجيب فيه ما لا يكفي لسقف، وجسد بدأ يتفاوض على آخر ما تبقى منه. أدار رأسه إلى الخلف ببطء. كان الشارع الذي جاء منه فارغًا تمامًا. لا أحد. لا صوت قريب. ضوء عمود الإنارة البعيد يرسم مستطيلًا باهتًا على الأسفلت، وما وراء ذلك عتمة تمتد بهدوء الأشياء التي لا تعجل، لأنها تعرف أنك ستظل فيها. لم يكن البرد قاسيًا بعد. لكنه من النوع الذي يصبر. يبدأ خفيًا، ويتسرّب من أطراف الجسد إلى مركزه ببطء، كمن يعرف أنه سينتصر في النهاية. كان كتفه يؤلمه من الحقيبة. وكانت رجلاه ثقيلتين كما تثقل الأشياء حين تنسى كم مشت. التفت إلى البيت مجددًا. اقترب من الباب بخطوات بطيئة، كمن يقترب من شيء يريد أن يتأكد أنه حقيقي قبل أن يلمسه. كان الباب حديديًا، داكنًا، عريضًا. في وسطه حلقة صدئة كانت يومًا مقبضًا. وجانباه محاطان بحجارة متشققة في مواضع، وفي الأعلى قوس حجري قديم لا يزال صامدًا، رغم أن كل شيء حوله يبدو في حالة من التخلي البطيء. وضع يده على الحلقة. جاءت البرودة فورًا. برودة المعدن الذي لم تمسّه يد منذ زمن. طرق مرة واحدة. ارتد الصوت في الشارع الفارغ ثم تلاشى. لا جواب. طرق ثانية. لا شيء. لا خطوات، لا صوت، لا ضوء يشتعل خلف نافذة. البيت لا يسكنه أحد. أو إن كان هناك أحد، فهو أعمق في صمته من أن تصله طرقة. دفع. قاوم الباب لحظة، وأنّت مفصلاته بصوت مديد كأنها تتذكر كيف تتحرك، ثم استسلم وانفتح. كان الهواء الذي خرج من الداخل مختلفًا. ليس نتنًا. لكنه قديم. كهواء مكان احتجز نفسه طويلًا دون أن يأذن لأحد بتجديده. رائحة الحجر والغبار والزمن، مزيج لا يستطيع الإنسان وصفه بدقة، لكنه يتعرف إليه فورًا: هذا مكان لم يدخله أحد منذ زمن. دخل. كانت العتمة في الداخل أشد من الخارج، لكن عينيه بدأتا تتكيفان ببطء. مدخل واسع نسبيًا. أرضية حجرية. على اليسار جدار أملس، وعلى اليمين ما يشبه ممرًا يؤدي إلى عمق البيت. وأمامه درج من الحجر يصعد إلى الطابق الثاني. توقف. استمع. لا شيء. صمت كامل من النوع الذي لا يكون إلا في الأماكن التي لم تتعود على الأصوات. خطا خطوتين إلى الداخل. وأبدت الأرضية الحجرية تحت قدميه صوتًا خافتًا متصدعًا، لكنها لم تخذله. على يمينه، عبر الممر، كانت هناك غرفة فيما يبدو. دخلها. كرسي قديم بذراعين خشبيتين في الزاوية، مائل قليلًا كأنه يستند إلى الجدار من التعب. وطاولة منخفضة أمامه مغطاة بغبار رقيق. وستارة قديمة على نافذة، داكنة اللون في الأصل، صارت أشدّ قتامة. وفوق الستارة، على حافة الجدار، ساعة حائط توقفت عند الثانية وخمسين دقيقة من ساعة لم يعد أحد يعرف أيّتها. نظر إلى الساعة. الثانية وخمسون دقيقة. لا هواء يحركها. لا يد تديرها. ثابتة كأنها قررت منذ زمن أن لحظة ما أهم من استمرار الوقت. وعلى الجدار الجانبي، خط تشقق رفيع يمر من السقف إلى منتصف الجدار، مستقيمًا تقريبًا، كأن البيت نفسه كتب شيئًا لا يُقرأ. وفي العمق، باب داخلي مغلق. اقترب منه خطوة. ثم توقف. لم يفتحه. لم يطرقه. فقط وقف أمامه لثانية، وشعر بشيء لا يستطيع تسميته: ليس خوفًا، وليس فضولًا. شيء بين الاثنين، كأن الباب يعرف أنه هناك، ويختار ألا يفعل شيئًا حيال ذلك. تراجع. حسم جسده ما لم يستطع عقله حسمه. لم يعد كتفه يطيق الحقيبة أكثر. وكانت ساقاه تطلبان أرضًا بدلًا من الأسفلت. وبدأ رأسه يسبح تلك السباحة الخفيفة التي تسبق النوم، حين يكون التعب أعمق من أن يُقاوَم. اختار الزاوية قرب الكرسي القديم. لم يجلس على الكرسي. جلس على الأرض بجانبه، وظهره إلى الجدار، والحقيبة بين يديه. أمسكها بيد واحدة، بتلك الحركة الغريزية نفسها التي رآها في الرجل الخمسيني في الحافلة: الجسد يحمي ما يملكه، حتى حين لا يطلب منه أحد ذلك. أخرج نصف علبة الماء الباقي. شرب رشفة. ثم أعادها. كان الجوع لا يزال موجودًا، لكنه صار أهدأ، نوع الجوع الذي يعرف أنه لن يُشبَع الليلة، فيهدأ. أغمض عينيه. كانت الغرفة في عتمتها ساكنة تمامًا. ساكنة بطريقة لم يألفها في أي مكان نام فيه من قبل. في بيته، كان هناك دائمًا صوت ما: الشارع، الجيران، الهواء في الأنابيب، وثلاجة تعمل. أصوات لا يسمعها الإنسان حين تكون موجودة، ويفتقدها حين تغيب. هنا لم يكن هناك شيء. لا خرير. لا خشخشة. لا صوت يدل على حياة قريبة. فتح عينيه مرة. كان السقف فوقه متشققًا في ثلاثة خطوط تتقاطع عند نقطة واحدة قرب المنتصف. وفي الزاوية العليا، حيث يلتقي جداران، كان هناك ظل أكثر كثافة من بقية الظلال. ليس جسدًا. ليس شيئًا محددًا. فقط عتمة تبدو أثقل. أغمض عينيه مجددًا. وقبل أن يسقط في النوم، سمع شيئًا. أو ظن أنه سمع. صوت خافت جدًا. لا يشبه الريح، لأنه لم تكن هناك نافذة مفتوحة. ولا يشبه القط، لأنه لم يكن حيوانيًا. كان أشبه بنفَس. نفَس بطيء جدًا، عميق، كنفَس شيء ينام بعمق. فتح عينيه. الصمت التام. انتظر. لا شيء. كان رأسه أثقل من أن يبقى مرفوعًا على كتفيه. وكانت عيناه تطلبان الإذن. *أنت متعب فقط*، قال لنفسه. *المكان هادئ. ليس فيه أحد.* أغمض عينيه للمرة الأخيرة. لم ينتظر التعب موافقته. سحبه إلى الأسفل بهدوء مطلق، كما تسحب الأعماق. *آخر ما شعر به قبل النوم أن الصمت هنا ليس فراغًا.* *كان شيئًا آخر.* *لا اسم له بعد.* *والبيت، في مكان ما داخله، بدا كأنه بدأ يستيقظ.* *بعد أن نام آدم.*