الجزء 4
الفصل 1: أيام ما قبل الشرخ
الجزء 4
الفصل 1: أيام ما قبل الشرخ
الجزء 4
الجزء الرابع: وجه حسام
____________________
الحقيقة لا تكتمل حين تعرفها.
تكتمل حين ترى الوجه الذي استبدلك.
في الصباح الذي تلا الحقيقة، لم يفتح آدم محادثتها.
لم يفتحها لأنه لم يعد يملك سؤالًا يستحق الإرسال. كل الأسئلة التي كان يحملها في الأيام الثلاثة الماضية تبخرت في سوق الصباح، بين امرأتين لا يعرفهما، في جملة لم تكن موجهة إليه.
قام. غسل وجهه. نظر إلى المرآة.
الوجه الذي أمامه هو الوجه نفسه دائمًا. العينان الحادتان والمرهقتان. الشعر الذي لم يهتم بترتيبه منذ أيام. ملامح شخص لم ينم جيدًا منذ وقت طويل. لم يتغير شيء في ما يراه. لكنه شعر بشيء غريب وهو يقف أمام المرآة: كأنه ينظر إلى رجل خسر رهانًا لم يكن يعلم أنه يلعبه.
أغلق الماء. ولبس. وخرج.
في الشارع، سمع الكلام قبل أن يرى أصحابه.
رجلان يتحدثان قرب بوابة مبنى قديم. أحدهما يعرفه آدم بالوجه لا بالاسم، من أهل الحي القديم، رجل في الخمسين لديه رأي في كل شيء ولا يحتاج إلى سامع حقيقي.
"حسام عقله قبل عمره. اشترى العقار الجنوبي قبل أن يرتفع السعر بسنتين."
"ابن عائلة."
"ليس ابن عائلة فحسب. شاطر. يعرف كيف يحرك الأمور."
مشى آدم دون أن يبطئ.
لكن الاسم بقي في أذنيه خطوتين، ثلاثًا، عشرًا.
حسام.
حسام الذي يشتري العقارات قبل ارتفاع أسعارها.
حسام الذي يعرف كيف يحرك الأمور.
وهو، آدم الهاشمي، الذي لا يعرف حتى كيف يحرك محادثة كانت تموت أمامه ببطء وهو ينتظر.
في المقهى، طلب قهوته ولم يجلس في كرسيه المعتاد.
اختار طاولة في العمق، بعيدة عن الزجاج وعن الشارع. لم يكن يريد أن يرى الشارع اليوم. أو ربما كان يخاف من الشارع أن يريه شيئًا.
جاءت القهوة. تركها.
جاء حسن، ومسح الطاولة المجاورة، ونظر إليه بطريقته المعتادة، لكنه هذه المرة لم يقل شيئًا. ربما لاحظ في وجه آدم شيئًا يجعل السؤال غير ضروري. أو ربما كان هو أيضًا يعرف.
الاحتمال الأخير وخزه أكثر.
أخرج هاتفه، لا ليفتح شيئًا، بل لأنه لم يعرف أين يضع يديه.
رآه في منتصف النهار.
لم يقصد ذلك. لم يكن يبحث عنه. كان يمشي في الشارع التجاري حين لمحه أمام المصرف: رجل في أوائل الثلاثينيات، يرتدي قميصًا داكنًا مكويًا بعناية، ويتحدث إلى رجل آخر ويداه في جيبيه، بتلك الطريقة التي يقف بها من لا يحمل قلقًا.
عرفه.
ليس لأنه رآه من قبل، بل لأن الوصف الذي جمعه آدم من كلام الناس في الأيام الأخيرة كان يشكّل صورة، وتلك الصورة كانت أمامه الآن بلحم ودم.
حسام.
وقف آدم على بعد عشرين خطوة منه، على الرصيف المقابل، دون أن يقرر أنه يقف.
الرجل أمامه لم يكن وحشًا. لم يكن يحمل علامة الشر المألوفة. كان فقط... مرتبًا. مرتاحًا. يتحدث بطمأنينة رجل يعرف أن ما يبنيه لن يقع. الشارع حوله يعامله بطريقة مختلفة عن طريقته مع الآخرين: المارة يتركون له مساحة، وواجهة المحل المقابل تعكس صورته دون تشويه.
لم يبدُ كأنه انتزع شيئًا.
بدا كأن الشيء جاء إليه لأنه كان مكانه الطبيعي.
نزل حسام إلى سيارته المركونة قرب الرصيف. سيارة داكنة اللون، جديدة بما يكفي حتى يلاحظها المرء، وهادئة بما يكفي حتى لا تبدو مباهاة. من نوع السيارات التي تقول: أستطيع أن أملك ما هو أفخم، لكنني لا أحتاج إلى إثبات ذلك.
أشعل المحرك.
لم ينظر في اتجاه آدم.
لم يكن يعرف أنه موجود.
وهذا تحديدًا كان الجرح: ليس أن حسام ينظر إليه ويرى أنه أقل منه، بل أن حسام لا ينظر إليه على الإطلاق. آدم بالنسبة إليه ليس خصمًا مهزومًا، بل شخص في الصورة لم يلتفت إليه الضوء أصلًا.
مشت السيارة ببطء واختفت في الشارع الجانبي.
وقف آدم مكانه قليلًا.
نظر إلى انعكاس نفسه في الواجهة الزجاجية للمحل أمامه: رجل بقميص عادي، ويدين لا تعرفان أين تذهبان، وشعر يحتاج إلى عناية لم يمنحها له منذ أيام.
لم يقارن بصوت عالٍ.
لكن القياس حدث. حدث في مكان أعمق من الكلام.
هناك رجل يعرف كيف يحرك الأمور.
وهناك رجل كان يعدّ البلاطات وينتظر ردًا على رسالة: "هل كل شيء على ما يرام؟"
في طريق العودة، مرّ من أمام المطعم الذي أرسل لها صورته يومًا وكتب: "يقولون إن طعامهم ممتاز، أتريدين أن نذهب؟"
ردّت: "إن شاء الله."
كلمتان أغلقتا بابًا.
توقف أمامه.
المطعم مضاء من الداخل. طاولات مرتبة. أزواج وعائلات. ضجيج هادئ يشير إلى أن الطعام جيد فعلًا كما قالوا. وفي زاوية نهاية الصالة، طاولة لشخصين، فارغة.
كان يمكن أن تكون لهما.
ثم تذكر شيئًا سمعه في السوق أمس بين كلام النساء: "مريم تستحق. إنها فتاة محترمة."
الكلمة نفسها: تستحق.
كأن ما حصلت عليه كان استحقاقًا طبيعيًا، وكأن ما تركته خلفها لم يكن يستحق الالتفات.
أكمل مشيه.
قرب نهاية الشارع، كان هناك رجل يبيع الصحف عند الزاوية. رجل عجوز يعرف آدم وجهه منذ سنوات، دون أن يعرف اسمه.
رفع آدم يده تحية. رفع الرجل يده. ثم، في تلك اللحظة العابرة بين التحية والمضي، قال الرجل بنبرة عادية جدًا، نبرة رجل يقول شيئًا يعتقد أن الجميع يعرفه:
"سمعت خبر مريم ابنة الجيران؟ بارك الله لها."
ابتسم آدم.
لا يعرف كيف فعل ذلك. لكنه فعل. ابتسامة من نوع الابتسامات التي يصنعها الجسد حين لا يعطيه العقل تعليمات أفضل.
مضى.
في البيت، وقف في المطبخ دون أن يشعل النور.
الضوء الخارجي يكفي. أو هكذا قال لنفسه.
فهم في تلك اللحظة أن المشكلة لم تعد في مريم.
ولا في حسام.
المشكلة أن المدينة كلها كانت تعرف عنه شيئًا لا يستطيع أن يعيشه كل يوم:
أنه الرجل الذي لم يكن كافيًا.
وأن البقاء هنا سيجعل هذه الحقيقة مهنته اليومية