حكاياتي

الفصل 1: أيام ما قبل الشرخ

الجزء 5
الجزء الخامس: مدينة تضيق على رجل واحد ____________________ في ذلك اليوم، لم يكن في المدينة شيء جديد. وهذا بالتحديد ما جعله غير قادر على احتمالها. الساعة السادسة وثماني عشرة دقيقة. مرّت سيارة الحليب الصفراء كما تمر كل يوم، وتركت وراءها رائحة البخار الدافئ كما تفعل دائمًا. وفتح الخباز بابه الحديدي بالصوت المعدني نفسه. ورفع صاحب الصيدلية ستارته البيضاء في التوقيت نفسه. كل شيء في مكانه. إلا آدم. وقف عند باب بيته قبل أن يخطو إلى الشارع، ونظر إلى الرصيف المألوف كأنه يراه لأول مرة، أو كأنه يودّعه. لم يكن يعرف أيّهما أقرب إلى الحقيقة. ثم خطا. يسار الجدار. يمين الشجرة المائلة. وتوقف عند البلاطة المكسورة. خطوة أوسع. هذا ما كان يفعله دائمًا. كان جسده يعرف ذلك. لكنه هذه المرة لم يخطُها. وقف فوق البلاطة المكسورة نفسها ونظر إليها. شق صغير يمر في منتصفها، قديم، اتسع قليلًا بمرور السنوات. كم مرة تجاوزها دون أن يراها؟ أكمل مشيه. لكن الخطوة لم تكن أوسع. كان المقهى في مكانه. والكرسي الخشبي المهزوز في مكانه. وجاءت القهوة السوداء كما تجيء دائمًا. جلس، ووضع يده على الطاولة، ونظر إلى الزجاج المقابل. كان الشارع يتحرك بإيقاعه المعتاد. مشاة، وسيارات، وأبواب تُفتح وتُغلق. والصباح يفتح نفسه بتلك الطريقة الاعتيادية التي لا تسأل أحدًا إن كان مستعدًا. أخرج هاتفه. لم يفتح شيئًا. وضعه على الطاولة، وجعل شاشة الهاتف إلى الأسفل. جاء حسن وأمسك الطاولة المجاورة بخرقته. نظر إلى آدم. نظرة ليس فيها سؤال هذه المرة، بل شيء أقرب إلى الفهم الصامت. ذلك النوع من الفهم الذي يملكه الناس حين يعرفون، لكنهم يختارون ألا يقولوا. "القهوة طيبة اليوم." "شكرًا." مضى حسن. وبقيت القهوة تبرد. خرج من المقهى قبل أن يشربها كاملة. لم يكن يعرف إلى أين، لكنه لم يستطع البقاء أمام ذلك الزجاج وذلك الشارع دقيقة أخرى. المكان المألوف صار يضغط عليه بطريقة لم يجد لها اسمًا؛ ليس كرهًا، وليس خوفًا، بل شيئًا أشبه بأن يكون جسدك داخل ملابس أصغر منه بمقاس واحد. لا شيء مكسور بالضبط. لكن كل شيء ضيق. مشى في الشارع الجنوبي. وعند المنعطف الثالث، رأى المحل. واجهته الزجاجية. الستارة الكتانية. الكوب الأبيض بمقبضه البني على الرف الأمامي. "يومًا ما، ربما نشتري منه شيئًا للبيت." توقف. لم يكن يقصد المرور من هنا. أو ربما كان جسده يقصد، ذلك الجسد الذي يحفظ الطرق ولا يسأل صاحبه أين يريد الذهاب. نظر إلى الكوب الأبيض على الرف. ثم أكمل. في الشارع التجاري، سمع صوتًا يعرفه. امرأة من جيرانهم القدامى، جهيرة الصوت، واسعة الحديث، تتحدث إلى امرأة أخرى عند باب محل الأقمشة: "بارك الله لهما. كان العرس بسيطًا، لكن ما شاء الله..." لم يسمع البقية. ليس لأن الصوت انقطع، بل لأن أذنيه اختارتا في تلك اللحظة أن تتوقفا. مشى بخطوة أسرع قليلًا. ليس هربًا، هكذا أخبر نفسه. فقط لديه مكان يذهب إليه. ولم يكن لديه مكان يذهب إليه. وجد نفسه عند طرف الشارع الذي يؤدي إلى النهر الجنوبي. الطريق الذي ذهبا إليه مرة، حين قالت له وهي تنظر إلى الماء لا إليه: "أتعرف أنك أول من لم يحاول أن يشرح لي نفسه؟" توقف عند بداية الطريق. ولم يُكمل. ليس لأنه لم يستطع، بل لأنه فهم فجأة أن كل شارع في هذه المدينة يؤدي إلى ذاكرة، وكل ذاكرة تؤدي إلى وجع، وكل وجع يعيده إلى النقطة نفسها: أنه هنا، وأنها ليست هنا، وأن المدينة لا تعرف الفرق. استدار. جلس على مقعد في الحديقة الصغيرة قرب المبنى البلدي. كان الهواء موجودًا. يدخل ويخرج. لا شكوى فيه. لكنه في تلك اللحظة كان يشعر أن كل نفَس يحتاج إلى قرار، كأن الهواء لم يعد يجيء وحده، بل صار ينتظر منه أن يطلبه. جلس بلا هاتف. بلا قهوة. بلا شيء في يديه. رجل عجوز على المقعد المقابل ينظر إلى الأشجار. طفلة تجري خلف حمامة لن تمسكها أبدًا. وسيارة تمر ببطء. كل شيء يتحرك في إيقاعه. وهو جالس في المنتصف، كأنه نقطة توقفت في جملة لا تزال تتدفق. وحين قام من المقعد، لم يعرف كم مضى من الوقت. مشى دون وجهة. شارع، ثم شارع، ثم شارع. المدينة تفتح أمامه كما فتحت كل يوم، بالوجوه التقريبية نفسها، والأصوات نفسها، والروائح نفسها. لكن كل هذا كان له اليوم ثقل مختلف. ثقل الأشياء التي كانت بيتك، ثم صارت جدرانًا. وعند منعطف قرب المحطة، رأى لوحة التوجيهات. المحطة الرئيسية: كيلومتران. وقف أمامها. لم يفكر في وجهة بعينها. لم يفكر في حقيبة، أو مال، أو موعد. فكّر فقط في الكيلومترين. في أن هناك مكانًا على بعد كيلومترين، يمكن منه الذهاب إلى أي مكان آخر. أي مكان آخر. لم تكن الفكرة قد صارت قرارًا بعد. كانت فقط نافذة صغيرة انفتحت في جدار أصبح كله صمتًا. في الطريق إلى البيت، كان الجو قد بدأ يميل نحو المساء. الأضواء تشتعل تباعًا في واجهات المحلات. الناس يعودون من أيامهم بأثقالهم المختلفة. صوت راديو من نافذة في الطابق الثاني. ورائحة طعام من باب مفتوح. كان يمكن لهذا أن يكون يومًا جميلًا لشخص آخر. مرّ من أمام بيت مريم دون أن يقصد. أو ربما قصد مرة أخرى، وأقنع نفسه مرة أخرى. كانت النوافذ مضاءة. وستارة بيضاء في الغرفة التي يعرفها. لم يتوقف. لكنه لاحظ شيئًا لم يلاحظه من قبل: أنه حين مر، لم يشعر بالحزن فقط. شعر بشيء أقرب إلى الغرابة، كأنه يمر أمام بيت لا يعرفه، وتربطه به قصة سمعها يومًا. وحين يصبح المكان الذي تعرفه أكثر غرابة عليك من الأماكن التي لا تعرفها، فهذا يعني شيئًا واحدًا. في البيت، جلس على الكرسي عند النافذة ولم يشعل الضوء. الشارع أسفله يسير. لم يكن قد اتخذ قرارًا بعد. لكنه فهم شيئًا واحدًا بوضوح يكفي: أن الإنسان لا ينجو من بعض الخسارات إلا إذا غادر الشوارع التي تعرف اسمه معها. ولأول مرة، لم تبدُ له الطريق الطويلة مخيفة. بدت أرحم من هذا القرب كله.