حكاياتي

الفصل 1: أيام ما قبل الشرخ

الجزء 6
الجزء السادس: قرار لا يشبه الشجاعة ____________________ بعض القرارات لا تأتي في لحظة شجاعة. تأتي حين يصبح البقاء أثقل من المجهول. استيقظ قبل الفجر. لم يكن هناك حلم يطارده، ولا صوت أيقظه. فتح عينيه في الظلام ببساطة، كأن نومه أتمّ ما جاء من أجله وتركه. لم يمدّ يده إلى الهاتف. وكان ذلك أول ما لاحظه: أنه لم يمدّ يده إلى الهاتف. منذ أيام، كانت يده تسبق عقله كل صباح، تبحث عن الشاشة قبل أن تفتح عيناه بالكامل. لكن اليوم لم يكن في الهاتف ما يستحق العجلة. لا ردّ معلّق، ولا سؤال لم يُجَب عنه. كل شيء أُجيب عنه، بطريقته الموجعة. جلس على حافة السرير ونظر إلى الغرفة. الغرفة نفسها. الجدار نفسه. النافذة التي كان ضوء الفجر يدخل منها دائمًا من الزاوية ذاتها. لكنه نظر إليها هذه المرة كما ينظر الإنسان إلى مكان يعرف أنه سيتركه. في المطبخ، أشعل الغلاية ولم ينسها هذه المرة. وقف وشرب ماءه الدافئ ببطء، والنافذة أمامه تعكس وجهه الشاحب في الضوء الرمادي الأول. لم يتحاشَ النظر إلى انعكاسه كما فعل في الأيام الأخيرة. نظر إليه: رجل في الرابعة والعشرين، عيناه حادتان ومرهقتان، وفي وجهه شيء لم يكن هناك قبل أسبوع: يقين. ليس يقين الواثق من نفسه. بل يقين من وصل إلى آخر الخيارات وأحصاها. وضع الكوب في المغسلة. سأغادر. لم تأتِ الجملة بصوت عالٍ، ولا بانفعال. جاءت باردة وقصيرة وكاملة، كجملة يقولها الإنسان لنفسه حين تكون الأمور قد حُسمت في مكان أعمق من الكلام، وما بقي هو فقط النطق بها. سأغادر. عاد إلى الغرفة. فتح الخزانة ووقف أمامها. الملابس معلقة كما تركها آخر مرة. قمصان، وسروال، وسترة شتوية لا يحتاجها بعد. ورفوف فيها أشياء متراكمة على مدى سنوات: كتاب لم يكمله، وعلبة أدوية قديمة، ووشاح طويل اشتراه مرة لأن الشتاء كان قاسيًا، وسلك شاحن لهاتف قديم لا يملكه منذ وقت. أشياء صغيرة. تافهة. لكن كل واحدة منها كانت تقول بصمتها: أنت هنا منذ زمن. وضع الحقيبة القماشية الصغيرة على السرير. وبدأ يختار. ليس بتخطيط كثير، بل بسؤال بسيط أمام كل شيء: هل أحتاج هذا؟ القميص الأزرق الداكن: نعم. السترة: نعم. الكتاب الناقص: توقف. تصفّح صفحة منه. ثم أعاده إلى الرف. السروال الثاني: نعم. علبة الأدوية: رماها في الحقيبة دون أن يفكر. وجد في الدرج السفلي ورقة مطوية. فتحها. كانت بخط يدها. قائمة صغيرة كتبتها مريم في يوم ذهبا فيه معًا إلى السوق، قبل أكثر من ستة أشهر، وطلبت منه أن يحتفظ بها لأن كيسها كان ممتلئًا. أرز. زيت. ليمون. جبن. قهوة. خمسة أشياء بخطها الضيق المائل قليلًا إلى اليسار. أمسكها دقيقة. ثم أعاد طيّها ووضعها في الدرج مرة أخرى. لم يرمها. لكنه لم يأخذها معه. بعض الأشياء لا تُرمى ولا تُحمل. تُترك في أماكنها، وكأنها لم تنته بعد، حتى لو أن كل شيء حولها انتهى. أغلق الحقيبة. كانت خفيفة. أخف مما تحتاجه رحلة. لكنه قرر ألا يجادل نفسه في الوزن. ما يكفي يكفي. وما لا يكفي سيتعامل معه حين يحدث. نظر إلى الغرفة مرة أخيرة. السرير غير مرتب. الخزانة نصف مفتوحة. الكوب الفارغ على الطاولة. الستارة التي لم تكن تُغلق بالكامل أبدًا، فتترك دائمًا خطًا من ضوء الشارع على الجدار. لم يرتّب شيئًا. خرج. كان الشارع يستيقظ ببطئه المعتاد. مشى آدم بحقيبته على كتفه دون أن يغيّر مسار قدميه: يسار الجدار، يمين الشجرة المائلة. وعند البلاطة المكسورة، خطا فوقها مباشرة. لم يتسع. لم يتجنبها. مرّ من أمام المقهى. كان حسن يرفع الكرسي الأول من فوق الطاولة ويضعه على الأرض. رآه ورأى الحقيبة. نظرة واحدة. لم يسأل. أومأ آدم. فأومأ حسن. وواصل طريقه. كان هذا الوداع يكفي. لا كلمات، لا تفسير. رجل يرى رجلًا يغادر، ويعرف أن السؤال لن يغير شيئًا. في الشارع الجانبي قرب الحي القديم، رأى أبا فراس يفتح باب بيته للخروج. الرجل الذي سمع منه: "مريم وحسام"، قبل ثلاثة أيام، في حديث لم يكن موجهًا إليه. رآه أبو فراس. نظر إليه. نظر إلى الحقيبة. ثم إلى وجهه. "أمسافر؟" "نعم." "إلى أين؟" توقف آدم لثانية. "إلى مكان تكون الحال فيه أفضل." أومأ أبو فراس ببطء، بتلك الطريقة التي يومئ بها من يفهم أكثر مما يقول. ثم قال بنبرة هادئة، وفيها شيء يشبه الاعتذار دون أن يكون اعتذارًا: "وفقك الله يا بني." لم يقل أكثر. وآدم لم يحتج أكثر. كانت المحطة على بعد كيلومترين. قطعهما بخطوات ثابتة، لا مستعجلة ولا متثاقلة. وكانت المدينة حوله تتحرك في يومها الجديد. محلات تفتح، سيارات تنطلق، وأصوات صباح اعتادها طوال سنوات. وهو يمشي فيها للمرة الأخيرة دون أن يعلن ذلك لأحد. وعند الزاوية الأخيرة قبل المحطة، سمع من نافذة مفتوحة في الطابق الثالث صوت امرأة تتحدث بالهاتف: "...لا، لا، هي بخير. ما شاء الله عليها، حسام يحبها كثيرًا..." توقف. ثانية واحدة فقط. ثم أكمل. لم يكن الكلام موجهًا إليه، ولم يكن يبحث عنه. لكنه جاء، كما كانت تأتي كل الأشياء في هذه المدينة في الأيام الأخيرة، في الوقت الذي يثبت فيه أن القرار كان صحيحًا. وقف أمام شباك التذاكر. الموظف خلف الزجاج ينظر إليه في انتظار. "إلى أين؟" نظر آدم إلى لوحة الوجهات. أسماء مدن. أوقات. أسعار. أرقام. اختار مدينة لا يعرف فيها أحدًا. ليس لأنها كانت الأفضل، بل لأن السعر كان في حدود ما يملك، ولأن الموعد بعد ساعة. "تذكرة واحدة." جلس على المقعد الحديدي في صالة الانتظار. الحقيبة بين قدميه. والهاتف في جيبه دون أن يخرجه. نظر إلى الناس من حوله. عائلة تحمل حقائب كبيرة. رجل ينام على كتفه سترته المطوية. فتاة تقرأ. كل واحد منهم ذاهب إلى شيء ما، قادم من شيء ما. وهو في المنتصف، بين ما ترك وما لا يعرفه. أخرج الهاتف. فتحه. لم يفتح محادثتها. فتح نافذة فارغة وكتب جملة، ثم محاها. وكتب أخرى ومحاها. ثم أغلق الهاتف. ليس هناك ما يقال. الأشياء التي تُقال في لحظات كهذه إما تأتي متأخرة جدًا، أو لا تصل إلى أحد. حين نودي على الرحلة، قام. رفع حقيبته. ومشى نحو الباب. وعند العتبة، بين الصالة والرصيف الخارجي، توقف ثانية واحدة. لم يلتفت. لكنه أحسّ بالمدينة خلفه. أحسّ بشوارعها، ومقاهيها، وأصوات خبازها الصباحية، وبلاطتها المكسورة، ونافذتها التي تترك دائمًا خطًا من ضوء الشارع على الجدار. ثم خطا إلى الخارج. حين تحركت الحافلة أخيرًا، لم ينظر آدم إلى الخلف. لم يكن ذلك تجنبًا، ولا هروبًا من المشهد. كان فقط أنه لم يعد يملك ما يبحث عنه هناك. ابتعدت المدينة. وللمرة الأولى منذ أيام، لم يشعر بأن الهواء يحتاج إلى قرار. دخل وحده. بلا استئذان. كما كان في البداية.