حكاياتي

الفصل 1: أيام ما قبل الشرخ

الجزء 7
الجزء السابع: الطريق البعيد ____________________ في الطريق الطويل، لا يعود الإنسان ابنَ المدينة التي غادرها، ولا يصير بعدُ ابنَ المكان الذي يقصده. يصير شيئًا معلّقًا بين اسمين. --- حين خرجت الحافلة من حدود المدينة، لم ينظر آدم إلى الخلف. لم يكن ذلك تجنبًا. ولم يكن قرارًا مدروسًا. كان فقط أن رقبته لم تتحرك. الجسد أحيانًا يعرف ما لا يطيقه قبل أن يُستشار. جلس في مقعده عند النافذة، والحقيبة فوق رأسه في الرف، ويده على ركبته، وعيناه على الطريق المنبسط أمامه. وكانت المدينة من ورائه تتراجع، تصغر، وتصير ضوءًا ثم خطًا ثم لا شيء. لم يشعر بالانعتاق. شعر فقط بأن ما في داخله صار يملك مساحة أوسع ليتعب. --- كانت الحافلة ممتلئة بما يكفي لتكون صاخبة دون أن تكون مزعجة. على يساره، في الجانب الآخر من الممر، عائلة صغيرة: رجل وامرأة وطفلة بين الخامسة والسادسة تنظر من نافذتها بعينين متسعتين، كأن الطريق أمامها أول طريق في العالم. كان الرجل يتحدث بصوت منخفض إلى زوجته عن شيء لا يسمعه آدم. وكانت هي تومئ بين حين وحين. ويدها على يده فوق المقعد. وخلفه بمقعدين، شاب في منتصف العشرينات يتحدث في هاتفه بنبرة واثقة من يعرف من ينتظره في الجهة الأخرى: *"أنا في الطريق. سأصل بعد ثلاث ساعات تقريبًا. نعم. لا، لا تُتعب نفسك، سأجد وسيلة."* وأمامه بمقعد، رجل في الخمسين يضع سترته المطوية على كتفه كوسادة، وينام بهدوء رجل أتقن النوم في أي مكان. وكانت يده تمسك الحقيبة الصغيرة تحت قدميه حتى في النوم، بتلك الطريقة الغريزية التي يحمي بها الناس الأشياء التي تهمهم حين يغيب عقلهم. كل واحد منهم يعرف إلى أين يذهب. وهو لا يعرف إلا من أين خرج. --- بعد ساعة، بدأت رقبته تشكو. لم يكن المقعد مريحًا بالكامل. وكان ظهره يحتاج إلى زاوية لم يجدها. حاول أن يضبط جلسته مرتين، ثلاثًا. ثم استسلم. وبدأ العطش يطرق بخفة. لم يأخذ ماءً. لم يفكر في ذلك حين كان يحزم. فالإنسان، حين يحزم عقب قرار مفاجئ، ينسى الأشياء العملية، ينسى أن الرحلة لها جسد لا عقل فقط. أغمض عينيه. حاول النوم. لم يأتِ النوم. جاء فقط شيء بين النوم واليقظة، منطقة غير محددة يسبح فيها الرأس دون أن يرتاح: أصوات الحافلة، واهتزاز المقعد، وخلف كل ذلك، وجه. ليس وجه مريم تحديدًا. بل وجه اللحظة التي سمع فيها صوت النساء في السوق يتحدثن عن العرس. وجه اللحظة التي رأى فيها حسام أمام المصرف. وجه ابتسامة صنعها جسده تلقائيًا حين قال له بائع الصحف: *"سمعت خبر مريم؟ بارك الله لها."* فتح عينيه. كان الطريق خارج النافذة مستقيمًا ولا نهاية له. أشجار متباعدة، وأرض تتغير لونها ببطء من أصفر إلى ترابي، وسماء تبدأ تميل نحو اللون المعدني لأواخر النهار. أعاد يده إلى ركبته. وبدأ يعدّ الخطوط البيضاء المرسومة على الطريق وهي تمر تحت الحافلة. واحد، اثنان، ثلاثة. ثم توقف، لأنها كانت تمر بسرعة أكبر مما يستطيع. --- بعد الساعة الثانية، توقفت الحافلة. محطة صغيرة على الطريق. مبنى واحد بضوء أبيض أكثر مما ينبغي. مقعدان حديديان أمام الباب. آلة مشروبات في الزاوية. ومقهى صغير في الداخل يبيع ما تيسّر. أعلن السائق توقفًا لعشرين دقيقة. نزل آدم. كان الهواء خارج الحافلة أبرد، ونظيفًا بطريقة مختلفة عن هواء المدينة، بلا روائح الأبخرة والمحلات والأسفلت الحار. تنفّس نفسًا واحدًا كاملًا. ثم ذهب إلى آلة المشروبات. وقف أمامها. نظر إلى الخيارات. لم يتذكر ماذا كان يريد. ظل واقفًا أمامها دقيقة كاملة، وعيناه على الأزرار الملونة، وذهنه في مكان لا علاقة له بالمشروبات أو العطش. ثم ضغط على أول زر وقعت عليه يده. خرجت علبة مشروب غازي لا يحبه. دفع. أخذ العلبة. وجلس على المقعد الحديدي أمام الباب. فتحها. شرب. وفي الزجاج المقابل في الداخل، رأى انعكاسه: رجل جالس وحده في محطة طريق، يشرب شيئًا لم يختره، وينظر إلى لا شيء. أبعد بصره عن الانعكاس. --- في الحافلة مجددًا، حين استأنفت سيرها، بدأ الليل يتشكّل في الأفق. كان الضوء يتراجع ببطء. وصارت الأشجار خارج النافذة خيوطًا داكنة. وكانت الخطوط البيضاء على الطريق تضيء تحت الأضواء الأمامية للحافلة ثم تختفي. الطفلة في الجانب الآخر نامت على كتف أمها. والرجل الخمسيني أمامه لا يزال نائمًا. أما الشاب الذي كان يتحدث في هاتفه، فكان يحدّق الآن في شاشته بصمت. دخلت رأس آدم فكرة صغيرة، بهدوء، من الباب الخلفي دون أن تطرق: *هل يكفي أن تبتعد؟* لم يجب عنها. تركها تجلس في ركن من رأسه، دون أن يمنحها مكانًا أوسع. كان السؤال هشًا، وكل الأسئلة الهشة تتكسر حين تُمسك بقوة. لكنها بقيت هناك. *هل يكفي أن تبتعد؟* --- في ساعة متأخرة من الرحلة، حين صارت المدن خلف الزجاج مجرد تجمعات ضوء متباعدة، فكّر آدم لأول مرة في شيء لا علاقة له بمريم. فكّر في الوجوه التي ستراه في المدينة الجديدة. وجوه لا تعرف اسمه. لا تعرف خسارته. لا تعرف أنه الرجل الذي كان أبو فراس يرد اسمه في جملة ناقصة. لا تعرف أنه وقف أمام آلة مشروبات لدقيقة كاملة ولم يتذكر ماذا يريد. وجوه بيضاء. فارغة. لا تحمل عنه شيئًا. كان هذا أقرب شيء إلى الارتياح شعر به منذ أيام. ليس أملًا كاملًا، بل نافذة صغيرة في جدار طويل: فكرة أن هناك مكانًا لا يقترن فيه اسمه بخسارته. أغمض عينيه مرة أخرى. هذه المرة، جاء شيء يشبه النوم. --- استيقظ على صوت السائق يعلن الوصول. لم يعرف كم نام. ربما دقائق. وربما أكثر. لكن عينيه، حين فتحتا، كانتا أثقل من حين أغمضهما. نظر من النافذة. مدينة جديدة. أضواء، وشوارع، ومبانٍ لا يعرف أسماءها. ليل فعلي. وبرد واضح حتى من خلف الزجاج. لم يكن في وجهها جمال مباشر. لم تستقبله باحتفاء. كانت فقط مكانًا كبيرًا لا يعرفه، ولا يعرفه هو. نهض. أخذ حقيبته من الرف. وتبع الناس نحو الباب. --- *حين نزل أخيرًا، كان الليل قد سبقه إلى المدينة الجديدة.* *ولم يكن معه من الوصول إلا التعب.* *وقف على الرصيف خارج المحطة، والحقيبة على كتفه، والهواء البارد يأخذ وجهه.* *الناس من حوله يتفرقون إلى جهاتهم.* *وهو واقف.* *لا يعرف اتجاه البداية.* *ولا حتى إن كانت ما تزال ممكنة.*