الجزء 8
الفصل 1: أيام ما قبل الشرخ
الجزء 8
الفصل 1: أيام ما قبل الشرخ
الجزء 8
الجزء الثامن: مدينة لا تعرفه
____________________
بعض المدن لا تستقبلك بالعداء.
تستقبلك بشيء أبرد: اللامبالاة.
حين نزل من الحافلة، لم يشعر آدم أنه وصل.
شعر فقط أن الطريق أنزله في مكان لا يعرف ما يفعل به.
كانت المحطة مضاءة بضوء أبيض صافٍ لا يرحم. ذلك النوع الذي يكشف كل شيء دون أن يدفئ أحدًا. والناس من حوله ينزلون، ويلتقطون حقائبهم، ويتحركون بالسرعة التي يتحرك بها من يعرف أين يذهب. خطوات واثقة نحو أبواب، وسيارات تنتظر، وأسماء تُنادى.
فرغ الرصيف في دقائق.
وظل آدم واقفًا بحقيبته على كتفه، يرى الناس يتفرقون كما يتفرق الماء فوق حجر، وهو الحجر.
ولم يطلب البرد إذنًا. دخل من ياقة القميص وأسفل الكفين مباشرة، وقال بوضوح: أنت هنا الآن، وهنا ليل، وهنا برد، وليس هناك من ينتظرك.
نظر إلى لافتات الشوارع.
أسماء لا تعني له شيئًا. شارع التحرير، شارع الجامعة، طريق المطار. خريطة لمدينة لا يملك أدنى خيوطها.
وعلى يمينه كشك صغير يبيع السجائر والمشروبات، لا يزال مفتوحًا. رجل خلفه ينظر إليه بنظرة بائع يرى زبونًا محتملًا لا أكثر.
وعلى يساره موقف سيارات أجرة. سائقان يتحدثان بينهما ويدخنان.
وأمامه شارع رئيسي، مضاء، تتحرك فيه بقية حركة الليل.
حاول أن يبدو كمن يعرف اتجاهه. مشى نحو الشارع الرئيسي بخطوة متأنية، كأنه يقرأ المكان، لا كأنه ضائع فيه.
لكنه كان ضائعًا.
توقف عند أول عمود إضاءة بعيد عن ضوء المحطة.
أخرج محفظته.
لم يفتحها مباشرة. أمسكها لثانية، كأنه يحاول تأجيل ما يعرف أنه سيراه. ثم فتحها.
ورقتان كبيرتان. بضع ورقات صغيرة. وعملات معدنية في الجيب الداخلي.
عدّها.
مبلغ لا يكفي لليلة واحدة في أي فندق محترم. وربما يكفي لنزل رخيص، لكن النزل الرخيصة في المدن الكبيرة لا تقبل من يأتي بلا حجز مسبق في هذه الساعة، أو تأخذ منه ما لا يستطيع إعطاءه.
أعاد المحفظة إلى جيبه.
ثلاثة أيام. إذا لم يجد عملًا أو حلًا في ثلاثة أيام، فسيصبح المبلغ صفرًا.
لم يفكر في اليوم الرابع.
مشى نحو شارع ضيق تعلوه لافتة: "غرف للإيجار"، بخط أزرق باهت.
كان البناء قديمًا. والباب الحديدي شبه مغلق. طرق مرتين.
خرج رجل في الخمسين بملابس النوم، ينظر إليه بعيون لم تستيقظ بالكامل.
*"أريد غرفة لهذه الليلة."*
نظر الرجل إلى حقيبته. ثم إلى وجهه. ثم إلى ساعته.
*"هذه الليلة؟ الآن؟"*
*"نعم."*
*"السعر مئة وخمسون."*
صمت آدم ثانية أطول مما كان ينبغي.
قرأ الرجل ذلك الصمت بسرعة من اعتاد قراءته.
*"لا تفاوض ليلًا."*
ثم أغلق الباب.
وقف آدم أمام الباب المغلق لحظة.
لم تكن الإهانة. كان شيئًا أهدأ من الإهانة وأوجع: الشعور بأن العالم العملي لا يتوقف ليسمح لك بأن تكون منكسرًا. تحتاج إلى مكان؟ أحضر المال. لا مال؟ ابتعد. الليل لا يمنح امتيازات للمتعبين.
ابتعد.
لم يعد جوعه خفيًا.
في الحافلة، كان الجوع صوتًا بعيدًا يمكن تجاهله. أما الآن، في هذا البرد وهذا الشارع، فقد صار حضورًا واضحًا في معدته.
وجد دكانًا صغيرًا لا يزال مفتوحًا عند تقاطع شارعين. دخل. كان الضوء الداخلي أصفر ودافئًا نسبيًا.
اشترى رغيف خبز وعلبة ماء.
دفع بواحدة من الورقات الصغيرة.
خرج. وأكل وهو يمشي. كان الخبز أكثر جفافًا مما ينبغي، لكنه لم يلاحظ. جسده كان يأخذ ما يُعطى دون تعليق.
وكان الماء باردًا حتى الألم.
شرب نصف العلبة. وأمسك النصف الثاني.
وواصل المشي.
بدأ يبتعد عن المركز دون أن يقرر ذلك.
هكذا تفعل الأقدام المتعبة: تبتعد عن الازدحام غريزيًا، وتبحث عن مكان أقل صوتًا، وأقل ضوءًا، وأقل طلبًا. ضاقت الشوارع تدريجيًا. وأغلقت المحلات. وقلّت السيارات. وصارت الأضواء أبعد بعضها عن بعض.
مشى وهو يعدّ أعمدة الإنارة.
واحد. اثنان. ثلاثة.
وتوقف عند عمود رابع.
كان ظهره ثقيلًا من الحقيبة. وكتفه بدأت تشكو. وركبتاه تشكوان منذ ساعة، والطريق لا يسأله كم بقي.
جلس على حافة رصيف حجري عند مدخل بناء مغلق.
وضع الحقيبة أمامه.
كان الشارع أمامه ممتدًا وشبه فارغ. مرّت سيارة بعيدة. خرج قط من زاوية ثم اختفى. وكان هناك ضوء نافذة في الطابق الثالث من البناء المقابل.
حياة عادية لأناس عاديين.
تنفّس نفسًا طويلًا.
الهواء بارد. ونظيف بطريقة شوارع الليل الهادئة. لكنه لم يُرحه. الهواء موجود. والجسد يأخذه. لكن شيئًا ما في الداخل لم يزل يشعر أن التنفس جهد.
قام بعد دقائق.
لم يكن البرد على الرصيف الحجري رحيمًا بجسد متعب.
مشى من جديد. بلا هدف. فقط لأن المشي أدفأ من الجلوس.
ضاق الشارع أكثر. وصار حيًا قديمًا، البنايات فيه من طابق أو طابقين، وجدرانها متشققة في بعض الأماكن، وبعض نوافذها مظلم منذ وقت طويل.
كان الهدوء هنا من نوع مختلف. ليس هدوء الليل الاعتيادي الذي يسكن فيه الناس في بيوتهم، بل هدوء المكان الذي انسحب منه الناس ببطء وتركوه خلفهم.
توقف.
تغيّر شيء في الهواء. لم يستطع تسميته. كأن درجة الحرارة انخفضت خطوة واحدة إضافية، أو كأن الصوت صار أخفض بطريقة لا تفسرها المسافة وحدها.
عدّ خطواته عشرًا إلى الأمام.
ثم رآه.
في نهاية الشارع، قبل أن ينحني نحو حارة أضيق، كان البيت واقفًا وحده.
بناء قديم. جدرانه من حجر داكن امتص سنوات من الطقس. نافذتان في الواجهة، مغلقتان بألواح خشبية. وباب حديدي ثقيل يبدو كأنه لم يُفتح منذ زمن.
لا لافتة. لا رقم. لا دليل على أن أحدًا سيخرج منه أو سيدخل إليه.
كان البيت كأن المدينة نفسها نسيته هناك منذ زمن، وأكملت بناءها حوله دون أن تسأله إن كان يريد أن يُزال أو أن يبقى.
وقف آدم ينظر إليه من مسافة.
لم يكن جميلًا. ولم يكن مطمئنًا.
لكنه في تلك اللحظة، بكل ما يحمله من تعب وبرد وجوع ناقص ومال يكاد لا يكفي، وبلا مكان آخر في هذا الليل يمكن أن يقنع نفسه بالذهاب إليه، بدا البيت أقل قسوة من الشارع.
بكثير.
*لم يقترب بعد.*
*وقف ينظر إليه كأنه يمنح نفسه لحظة أخيرة.*
*لحظة قبل أن تصبح الضرورة هي الشجاعة الوحيدة التي يملكها.*