الجزء 5
الفصل 2: ما وراء العتبة
الجزء 5
الفصل 2: ما وراء العتبة
الجزء 5
الجزء الخامس: القاعدة الأولى
____________________
الغرفة لم تكن آمنة.
كانت فقط أقلَّ خطرًا من الخارج. وهناك فرق بين الأمرين يعرفه الآن.
كانت ليان لا تزال واقفة قرب الباب.
لم تجلس. لم تسترح. كان جسدها على الهيئة نفسها التي دخلت بها: مستقيمًا، يقظًا، كأن الجلوس رفاهية لا تمنحها لنفسها إلا حين تتأكد أن الحاجة إلى الوقوف انتهت. ولم تكن قد انتهت.
نظر آدم إلى يديه.
يدٌ يسرى تمسك ركبته. ويدٌ يمنى منبسطة على فخذه. خمسة أصابع يمكنه عدّها. خمسة أدلة على أنه لا يزال يقظًا.
*"ما الذي حدث في الساحة؟"*
سأل من دون أن يرفع رأسه.
*"وما الذي تظن أنه حدث؟"*
رفع رأسه.
*"رجل انحنى على ركبتيه لأنني أخذت نفسًا."*
*"نعم."*
*"هذا لا معنى له."*
نظرت إليه. ليس نظرة من يختلف، بل نظرة من يعرف أن الجملة صحيحة إذا قستَ بمعيارك، وخاطئة إذا قستَ بأي معيار آخر.
*"لا معنى له في أي مكان أتيتَ منه."* قالت. *"لكنك لست هناك."*
جلست أخيرًا.
على الكرسي الثاني، بعيدة عنه بما يكفي. ليس بُعدًا اجتماعيًا، بل بُعدًا محسوبًا.
*"هذه المدينة تعمل بقانون واحد أساسي."* قالت بصوت هادئ تمامًا. *"التنفس هنا ليس فعلًا فرديًا."*
صمت.
*"كل نفسٍ يأخذه الإنسان يُحتسب. وليس هذا على سبيل المجاز، بل على سبيل الرقم. الوحدات التي ترى أضواءها عند أعناق الناس هي رصيدهم الحي. كل شهيق أعمق من المعدل يُخصم. كل انفعال يرفع التنفس يُخصم. كل ركضة، وكل خوف، وكل ضحكة بصوت عالٍ. كل شيء."*
فتح آدم فمه.
*"لا تفعل ذلك."* قالت بالنبرة نفسها. *"فتح الفم بلا حاجة يُعدّ استهلاكًا."*
أغلق فمه.
وحاول أن يستوعب ما قالته.
*"وهذه الوحدات..."*
*"لها سقف. ومن تنفد وحداته..."*
توقفت.
*"ماذا؟"*
نظرت إلى الجدار لثانية واحدة. ثم إليه.
*"من تنفد وحداته ينتهي."*
لم تشرح الكلمة الأخيرة.
ولم يسألها. لأن نبرتها كانت كافية.
انتهى. ليس كالنوم. ليس كالتوقف. كانت الكلمة في فمها تحمل وزن الشيء النهائي.
نظر إلى الأرضية.
حجارة داكنة، صغيرة، منتظمة. تفصل بينها خطوط رمادية ثابتة.
عدّها.
واحدة، اثنتان، ثلاث، أربع. صف كامل، ثم صف آخر.
*"والرجل الذي انحنى في الساحة..."*
*"أنفاسك الزائدة في شارع مشترك تُحتسب عليهم أيضًا. الهواء مشترك. حين تستهلكه باضطراب، تأخذ مما ليس لك."*
رفع رأسه ببطء.
*"أخذتُ من رصيده؟"*
*"من رصيد كل من كان في نطاق عشرة أمتار منك."*
صمت.
ثم قال:
*"وأنا..."*
توقف. لم تكتمل الجملة في رأسه قبل أن تصل إلى فمه. جملة تبدأ بـ"وأنا"، ولا يعرف كيف تنتهي حين يكون الجواب أكبر مما يستطيع حمله الآن.
نظرت ليان إلى رقبته مرة أخرى.
تلك النظرة نفسها التي أتت بها في الساحة، السريعة، التي تبدأ من الوجه وتنتهي عند الرقبة. لكنها كانت هذه المرة أطول، كأنها تتأكد من شيء رأته وأرادت أن تراه ثانية.
قامت ببطء.
واقتربت منه.
*"هل تسمح؟"*
لم يفهم تمامًا ما الذي تقصده، حتى مدت يدها نحو رقبته. لم تلمسه. أبقت يدها على بعد سنتيمترات. تفحص. كأن الرقبة نفسها وثيقة تقرأ فيها شيئًا.
*"لا ندبة."* قالت بصوت أخفض. *"لا أثر لموضع قديم. لا شيء."*
*"لا أعرف ما الذي تبحثين عنه."*
*"أبحث عن دليل على أن هذه ليست أول مرة تدخل فيها هذا العالم."*
انسحبت يدها.
*"ومن أين أتيت؟"*
شرح لها.
لا بترتيب. خرج الكلام كما تخرج الأشياء من رجل لا يزال يحاول أن يقنع نفسه قبل أن يقنع غيره.
مدينته. مريم. الطريق. المحطة. الشارع الذي لا يعرف اسمه. البيت المهجور في الطرف البعيد. الغرفة التي نام فيها على الأرض. الباب الحديدي. الضوء الأبيض البارد.
وكانت ليان تستمع.
لا تقاطعه. لا تتحرك. فقط تستمع بتلك الطريقة التي تستمع بها من تعلّمت أن الكلام الزائد يُخصم أيضًا، فتركت التعليق لما يستحقه.
وحين انتهى، لم تقل شيئًا فورًا.
نظرت إلى نقطة في الجدار خلفه. ثانيتان. ثلاث.
*"بيت في أطراف المدينة."* قالت ببطء، وكأنها تختبر الكلمات في فمها. *"باب فتحته، فخرجت منه إلى هنا."*
*"نعم."*
*"ولا طوق عند رقبتك."*
*"لم يكن هناك من يعطيني واحدًا."*
أعادت نظرها إليه.
كان في عينيها شيء لم يكن هناك قبل قليل. ليس شيئًا لينًا، بل شيئًا أقرب إلى نظرة من وجد في مسألة معطلة متغيرًا لم يضعه في الحسبان.
*"هذا البيت..."* بدأت. ثم توقفت.
*"ماذا؟"*
*"لا شيء."* قالت. *"ليس الآن."*
قامت. وعادت إلى موضعها قرب الباب.
*"قف."*
وقف.
*"ضع يدك على صدرك."*
وضعها.
*"أغلق فمك."*
أغلقه.
*"الآن تنفّس من أنفك. شهيقًا في أربع ثوانٍ. توقف ثانيتين. زفيرًا في ست."*
حاول.
بدأ الشهيق طبيعيًا، ثم انكسر في الثانية الثالثة. أراد صدره أن يأخذ أكثر.
*"لا."* قالت من دون أن ترفع صوتها. *"أبقِه في الأربع."*
حاول مرة أخرى.
جاء الشهيق. وكانت ثانيتا الصمت أطول مما ينبغي. وخرج الزفير أسرع.
*"الزفير أطول من الشهيق دائمًا. ليس العكس."*
*"أحاول."*
*"أعرف."* قالت. *"المشكلة أن جسدك محسوب بقانون آخر. وهذا القانون لا يُبدَّل في ساعة."*
حاول مرة ثالثة.
شهيق في أربع. ثانيتا صمت. زفير في ست.
لم يكن كاملًا. لكنه كان أقرب.
نظرت ليان إلى طوقها.
لم تتغير الأرقام. أو تغيّرت تغيّرًا لا يُلاحظ.
*"أفضل."* قالت.
لم يكن ذلك مدحًا. كان ملاحظة.
جلس مجددًا.
كان رأسه ثقيلًا. ليس من النوم، بل من نوع آخر من الإرهاق. الإرهاق الذي يأتي حين يُجبر الجسد على التفكير في شيء كان يفعله تلقائيًا طوال حياته.
*"إذا خرجتُ من دون طوق..."*
*"ستُرى فورًا."* قاطعته. *"الرقبة الخالية هنا مثل المشي بلا ملابس في مكان عام. يستحيل أن تمر من دون أن يلاحظك أحد."*
*"وإذا لاحظوا..."*
*"المراقبون الذين رأيتهم اليوم هم الطبقة الأولى فقط."*
وقعت الجملة في الغرفة.
*"هناك طبقات أخرى؟"*
لم تجب مباشرة.
*"ما تعرفه الآن يكفيك."* قالت. *"وما لا تعرفه سيقتلك إن عرفته مبكرًا."*
*"هذا ليس جوابًا."*
*"هذا تحذير."* نظرت إليه بوضوح. *"ما فعلته اليوم في الشارع، الركضة، والأنفاس، وحركة الذراعين، كل ذلك وحده كان كافيًا لأن تؤذي عشرة أشخاص بدلًا من واحد. ولو كان الشارع أكثر ازدحامًا..."*
توقفت.
*"الناس الذين تأذوا اليوم، هل سيتعافون؟"*
نظرت إليه نظرة لم يستطع قراءتها كاملة.
*"ذلك يعتمد على ما كان في رصيدهم قبلك."*
*صمت آدم.*
*كانت أصابع يده اليمنى تعدّ بلا صوت على فخذه.*
*واحد، اثنان، ثلاثة.*
*ثم نظر إليها.*
*"ولماذا أنقذتِني؟"*
*أبعدت نظرها نحو الباب.*
*"لأن رجلًا بلا طوق، وبأنفاس كأنفاسك، لو تركته ليأخذه المراقبون، فسيعرفون عنه أقل مما أريد أنا أن أعرفه أولًا."*
*رفع حاجبيه.*
*"إذن، أنت أيضًا لديكِ أسئلة."*
*لم تؤكد. ولم تنفِ.*
*"النوم الأول الذي تنامه هنا لن يكون مريحًا."* قالت. *"وحين تستيقظ، سيكون علينا أن نقرر ما الذي نفعله بمشكلة لا طوق لها ولا منطق يشرحها."*
*قالت: "علينا".*
*ولم تلاحظ أنها قالتها.*
*أو ربما لاحظت، ولم تعقّب.*