الجزء 6
الفصل 2: ما وراء العتبة
الجزء 6
الفصل 2: ما وراء العتبة
الجزء 6
الجزء السادس: الخروج الأول
____________________
*"لا يمكنك البقاء هنا."*
قالتها وهي تنظر إلى الباب، لا إليه.
*"كم مضى منذ دخلنا إلى هنا؟"*
*"وقت كافٍ لأن يُلاحَظ الغياب."*
قامت.
ليس بالطريقة التي يقوم بها الناس حين ينتهون من جلسة، بل بالطريقة التي يقوم بها من كان مستعدًا للقيام قبل أن يجلس أصلًا.
*"سنخرج الآن."*
*"إلى أين؟"*
*"إلى مكان لا تُكتشف فيه بسهولة."* أجابت. *"أما ما بعد ذلك فيُحسم لاحقًا."*
فتحت حقيبة صغيرة كانت عند خاصرتها، ولم ينتبه إليها إلا الآن. أخرجت منها قطعة قماش داكنة اللون، ضيقة، بطول يكفي للفّ الرقبة.
ناولته إياها.
*"ضعها على رقبتك. من بعيد ستخفي الفراغ قليلًا. لكن لا تدع أحدًا يقترب."*
نظر إلى القطعة. أمسكها. لفّها حول رقبته ببطء.
نظرت إليه، ثم أومأت إيماءة معناها: قد تنفع مؤقتًا، لكنها لا تكفي.
*"قبل أن نخرج."* وقفت أمامه. *"قواعد. استمع ولا تعلّق."*
لم يعلّق.
*"لا تفتح فمك في الشارع إلا إذا طلبتُ منك. لا تلتفت إلى الوجوه. اجعل نظرك أمامك أو إلى الأرضية. خطواتك بطول خطواتي نفسها، لا أوسع. إذا توقفتُ، تتوقف. وإذا أشرتُ، تُبطئ نفَسك فورًا."*
*"كيف أبطئه فورًا؟"*
*"شهيق من الأنف من دون أن يرتفع صدرك، وزفير أطول. تذكّر ما تدربنا عليه."*
*"تدربنا؟ مرتين فقط."*
*"ثلاث مرات."* قالت. *"والثالثة كانت أقرب من الأوليين. وهذا يكفي للبدء."*
لم يكن متأكدًا أن ذلك يكفي.
لكنها فتحت الباب قبل أن يقولها.
اندفع الهواء البارد إليهما فور فتح الباب.
توقف آدم عند العتبة لثانية واحدة.
كان الممر الضيق بين المبنيين شبه خالٍ. ضوء رمادي هادئ. وبعيدًا، عند نهايته حيث ينفتح على الشارع، مرّ ظل شخص ثم اختفى.
خطا إلى الخارج.
كان الشارع في هذه المنطقة أهدأ من الساحة.
مارة متفرقون، وخطوات قصيرة متساوية، والأطواق تومض بضوئها الرمادي الهادئ. ولا أحد يتحدث بصوت يُسمع.
مشى خلف ليان بخطوة واحدة.
ركّز على قدميه. قصّر خطوته. وكرّر في رأسه: مثل خطواتها، مثل خطواتها.
تأرجحت ذراعه اليسرى على نحو طبيعي.
فأوقفها.
وألصق يده بجانبه. بدت ثقيلة الآن، وكأنها تعرف أنها ممنوعة.
أما صدره، فكان يريد أن يتنفس كما يريد.
من الأنف. ببطء. نصف ما يريد.
التفتت ليان إليه مرة.
نظرة قصيرة جدًا من الزاوية، ثم أعادت بصرها إلى الأمام. لم تقل شيئًا.
ففسّر صمتها على أنه يسير بطريقة مقبولة، أو مقبولة بما يكفي في هذه اللحظة.
بدأ يرى المدينة هذه المرة بعينين مختلفتين.
لا بعيني الرجل الذي فتح بابًا ووجد عالمًا آخر، بل بعيني من يعرف الآن أن لكل خطوة حسابًا، ولكل نفَس معدلًا، ولكل ذراع متأرجحة ثمنًا لا يُرى، لكنه يُخصم في مكان ما عند عنق شخص قريب لا يعرفه.
المرأة التي تمر عند الجدار. طوقها يومض بإيقاع ثابت. يدها ساكنة إلى جانبها. وخطواتها كأنها تعمل ضمن هامش محدد مسبقًا.
والرجل الذي يقف عند مدخل مبنى لا يفعل شيئًا. فقط يقف. وحتى وقوفه فيه اقتصاد لافت: لا اتكاء، لا ثقل زائد على قدم، لا حركة عبثية في الأصابع.
هكذا يبدو الناس حين يتعلمون أن حتى الوقوف يُحسب.
وفي منتصف الشارع، مرّ شخص قريبًا منه أكثر مما توقع.
رجل في الأربعين، يحمل حقيبة جانبية صغيرة. مرّ على بعد نصف متر. ونظر.
لم تكن نظرة فضول عادية.
كانت نظرة إلى رقبته.
كانت قطعة القماش الداكنة هناك، لكن الرجل أبطأ خطوته بمقدار طفيف. وارتفعت يده تلقائيًا نحو طوقه، ولمسته كما يلمس الإنسان جيبه حين يمر بمكان يشعر فيه بالقلق.
ثم أكمل.
أبقى آدم وجهه إلى الأمام.
لكن نفَسه ارتفع.
شعر به يرتفع. وشعر بصدره يريد المزيد. وشعر بالجهد الذي بذله ليُبقيه عند النصف.
وكان ذلك كافيًا.
هذه المرة.
وعند تقاطع شارعين، توقفت ليان.
لم تقل له أن يتوقف، لكنه توقف بعدها بخطوة واحدة، لا فورًا.
التفتت إليه بنظرة دلّت على أنها لاحظت تأخره.
لم تقل شيئًا.
ثم تابعت المشي في الاتجاه الأيمن.
فتابعها.
كان الشارع الجديد أضيق وأقل ازدحامًا. وتباعدت المسافة بين المارين فيه. وبدا الهواء هنا أبرد قليلًا، أو لعل جسده بدأ يقيس الهواء بطريقة مختلفة عما كان يفعل من قبل.
*"توقف."*
توقف.
كانا أمام مبنى حجري ذي باب خشبي داكن. وعلى يمين الباب لافتة صغيرة تحمل رمزًا لا يفهمه.
*"خطواتك في المقطع الأخير كانت أوسع."*
*"أعرف."*
*"والأوسع يُرى. والذي يُرى يُسأل عنه."*
نظر إلى قدميه.
*"أحاول."*
*"المحاولة لا تكفي."* قالت ببرود لا عدائية فيه. *"في هذا المكان، يقع الخطأ حتى حين تحاول ألا يقع."*
دخلا المبنى.
ممر طويل، وإضاءة خافتة في السقف، وباب في نهايته مفتوح على ما يشبه حديقة داخلية مسقوفة، صغيرة، فيها مقاعد حجرية وهواء أقل برودة.
لم يكن هناك أحد.
جلست ليان.
وجلس آدم.
نظر إلى يديه. كانت أصابع يده اليمنى تبدأ العدّ على فخذه. واحد، اثنان، ثلاثة.
ثم أوقفها.
*"الشخص الذي مرّ قريبًا منا... لمس طوقه حين رأى رقبتي."*
*"نعم."*
*"لماذا؟"*
*"لأن رقبتك الخالية أثارت شيئًا في جسده. غريزة. هذا ما يفعله العيش في هذا النظام طويلًا: تصبح حواسهم مضبوطة على الخلل."*
*"إذن حتى الناس العاديون يراقبون."*
*"الناس العاديون هنا لا يراقبون عن قصد. هم فقط يشعرون."* توقفت. *"وحين يشعرون، يتصرف جسدهم قبل أن يقرروا."*
نظر آدم إلى الباب.
*"وكيف أتحرك أنا في مدينة كل من فيها يشعر بي؟"*
نظرت إليه.
وللمرة الأولى منذ التقيا، لم يكن في نظرتها ما يشبه الجواب الجاهز.
*"بحذر."* قالت أخيرًا. *"وبوقت كافٍ. وإذا لم يكن معك وقت كافٍ..."*
جاء صوت من الممر.
خطوة. ثم ثانية.
وقفت ليان فورًا.
*نظرت إلى الباب.*
*ثم إلى آدم.*
*ثم إلى رقبته.*
*"اضبط نفسك."* همست. *"الآن."*
*وقبل أن يسألها لماذا، فهم من وقع الخطوات المقتربة أن الجواب في الطريق إليهما.*
*وأن ما مضى من هذا الخروج كان أسهل أجزائه.*